الباعة المتجولون في "خيام العودة" ينتزعون لقمة العيش من قلب الموت

الباعة المتجولون في
محليات

 

غزة / جيهان كوارع

أقدام تتحرك ببطء خلف عجلات العربة التي تشق الأرض متقدمة نحو المنطقة الحدودية شرق قطاع غزة، والتي يبرز منها شبح الموت مع كل حركة، عل جيوب صاحبها تعود ببعض العملات التي تسد حاجة أسرة تنتظر على أحر من الجمر، وتعرف أن الوقوف على أطراف تلك المنطقة يعنى أنهم سيأكلون لقمة مغمسة بالخطر.

 

ففي أجواء يخيم عليها القلق والتوتر وأمام بنادق الاحتلال الإسرائيلي التي تطلق بشكل كثيف وعشوائي على المشاركين في مسيرات العودة السلمية شرق القطاع، بمن فيهم أطفال ونساء وكبار السن وأشخاص من ذوي الإعاقة، وجد الباعة المتجولون زاوية يقفون بها يروجون لبضاعتهم، ويحصلون على قوتهم بعيون أرهقتها الحاجة في وجه عيون لا تعرف إلا الظلم وسلب الحياة.

 

وينتشر العشرات من الباعة المتجولين وسط ميدان المواجهة وبين عربات الإسعاف وتجمهر الشبان على الحدود الشرقية للقطاع، غير آبهين لما يحلق حولهم من خطر، تلبية لنداء الواجب الأسري والوطني معاً، من خلال المشاركة في مسيرة العودة التي ينظمها الفلسطينيون للتأكيد على حقهم في العودة إلى ديارهم التي هجروا منها قسراً، بطريقتهم الخاصة التي تؤكد على سلمية المسيرة.

 

لقمة العيش

 

وبصوت أعلى من صوت عنجهية الاحتلال وفي أبهى صورة للتحدي يقف الأربعيني أبو أسامة خلف عربته الصغيرة ينادي لتسويق ما لديه من المرطبات، غير مبالٍ بالموت في سبيل توفير قوت أسرته وسد احتياجات أبنائه الستة، ورغبته بالمشاركة في مسيرة العودة.

 

ويقول أبو أسامة لـ "الاستقلال": "أنا مش خايف من الموت، المكتوب حنشوفه، أصعب من الموت أن تقف عاجزاً أمام أبنائك لا تستطيع توفير ما يسد رمقهم من مأكل ومشرب وملبس ومتطلبات مدارسهم، وقتها الخوف بيكون من الرجوع للبيت تحاصرك نظراتهم دون توفير ما يطلبون أو حتى مصروفهم اليومي".

 

وأوضح أنه توجه للبيع على الحدود بعد أن قلت فرص بيعه بالأماكن التي اعتاد عليها قبل انطلاق فعاليات مسيرة العودة، لافتاً إلى أن صعوبة الاوضاع الاقتصادية في القطاع هي واحدة من الاسباب التي دفعته لانتزاع لقمة العيش تحت بنادق قناصة الاحتلال، وايضاً رغبته بتلبية نداء فعاليات مسيرة العودة ولكن بطريقته الخاصة.

 

 واعتبر أبو أسامة، أن وجوده على الحدود من أجل البيع، بمثابة دليل على سلمية المسيرة التي ينظمها الفلسطينيون، مشيراً إلى أن عملية البيع والشراء تتم بشكل طبيعي جداً وهي واحدة من طقوس الحياة اليومية للمتظاهرين على الحدود.

 

مواجهة وإصرار

 

أما الشاب مروان المجايدة، خريج إحدى جامعات غزة، والذي يصنع سندوتشات اللحوم لزبائنه فيرى أن التواجد في المناطق الحدودية مع المشاركين في مسيرات العودة هو بحد ذاته واجب وطني قبل أن يكون وسيلة للرزق، مؤكداً أن حب الوطن والسعي لقوت العائلة كانا الدافع وراء بيعه في المناطق الحدودية.

 

المجايدة لم يقتصر دوره على البيع في مخيمات العودة على الحدود فقط، فعندما يشتد ضرب الرصاص يكون أول المسعفين، وعندما يختنق أحد زبائنه يحول البصل الذي جلبه لصنع الطعام إلى وسيلة انقاذ توقف تأثير الاختناق على المصاب.

 

وقال المجايدة لـ "الاستقلال"، " أنا كل يوم ببيع على الحدود الشرقية للقطاع وبكون عارف إني في يوم من الأيام سأرجع شهيد لأن قناص الاحتلال ما بميز بين أي أحد"، مضيفاً "في هذا المكان يوجد حياة وفي ناس بدها كل حاجة تكون متوفرة من أكل وشرب"

 

وأوضح المجايدة،  أنه خريج منذ سنوات ولم يجد له فرصة عمل في ظل الظروف الصعبة التي يعاني منها أهالي القطاع وانتشار البطالة في صفوف الخريجين، مبيناً أن أرباحه قد حققت أضعافاً مضاعفة منذ أن عرفت قدماه الطريق إلى هذا المكان.

 

وبكلمات اكتست بثوب الاصرار والتحدي يواصل المجايدة حديثه معلناً عن استمراره بالبيع ،فقنابل الغاز التي تباغت عربته بشكل مباشر بين الحين والآخر لن تكون السحابة التي ستحجب عنه مصدر رزقه ، وأن الرصاصات التي تخطف أرواح من حوله لن تثنيه عن عزمه في البقاء فوق الأرض التي يملكها ويريد أن يستعيدها.

 

جرأة وعطاء

 

وللذين يخاطر الباعة بحياتهم ويشقون محيطاً ملئ بخطر الموت لأجلهم رأي أخر، فالمواطن كامل أبو دقة عبر عن فخره واعجابه الشديد بجرأة الباعة على التقدم لمسافات كبيرة لأجل لقمة عيشهم .

 

وأشار أبو دقة إلى أن هؤلاء الباعة همهم توفير جزء ولو يسير من المال ولكنهم لا يتوانون عن تقديم العون والمساعدة للمتظاهرين، موضحاً أن بعض الباعة رغم حاجتهم لا يتوقفون عن العطاء فيقومون بتزويد المشاركين بالمسيرة بالطعام والشراب أو بما يملكون من بضاعة بشكل دائم وفي بعض الأحيان لا يأخذون ثمنها من الناس.

 

أما المواطنة بثينة إبراهيم، فترى أن تواجد الباعة هو نوع من السعي للحياة بما يستطيعون إليه سبيلا ، مثنية على دورهم المهم في تخفيف وحشة المكان وقلة توفر اساسيات الحياة فيه .

 

وقالت ابراهيم: "كل واحد متواجد بالمخيمات سواء كان متظاهراً أو مسعفاً أو بائعاً أو صحفياً هو مشارك بالمسيرة وله تأثير واضح مهما صغر دوره ، والكل هنا معرض للخطر والقتل بأي وقت والواجب احترام الجميع والتعاون معهم".

 

من جهته استهجن الشاب خليل يونس فكرة توجه الباعة لمناطق التماس ، معتبراً ان هذه الخطوة لا داعي لها في ظل أوضاع خطيرة كهذه قائلا: " هذه ساحة تتحول لحرب في ثوانٍ ومن الافضل أن يكون تواجدهم في مناطق بعيدة جدا عن الحدود ".

 

وطالب يونس بضرورة التزام الباعة بتعليمات التوعية من خطر التواجد بهذه الأماكن ، وضرورة تبنى الجهات المعنية لمشاكل الباعة وتأزم أوضاعهم التي أجبرتهم على رمي انفسهم بين الموت لأجل لقمة العيش التي مهما بلغ اجرها ستبقى لا تفي بالغرض.

التعليقات : 0

إضافة تعليق