حينما تقهقه في بيت عزاء!

مناسبات عائلية.. تبدأ بالسلام وتنتهي بتشغيل الـ"واي فاي"

مناسبات عائلية.. تبدأ بالسلام وتنتهي بتشغيل الـ
محليات

الاستقلال/ رشا أبو جلال

بنظرة حادة، رمقت "أم منير" وهي ربة منزل لديها خمسة أبناء، ابنتها "سلوى" البالغة (21 عاماً)، وأبلغتها بإشارة من عينيها أن تترك هاتفها النقال جانباً، احتراماً للضيوف الذين بدا عليهم الانزعاج جراء عدم اهتمام الفتاة بتجاذب أطراف الحديث معهم، في مشهد يعد مهيناً ومخالفاً لآداب استقبال الضيوف والزوار في مجتمعنا الفلسطيني المحافظ.

 

تقول أم منير (48 عاماً) لـ "الاستقلال": ابنتي سلوى مصابة بإدمان الانترنت، فهاتفها يعد جزءاً من أعضائها الجسدية مثله مثل اليد أو القدم، فلا تفارقه لحظة إلا وهي تقبض عليه بكلتا يديها طيلة الوقت.

 

وأوضحت أن هذا الأمر وإن كان يمكن تحمله داخل الأسرة، إلا أنه بدا مزعجاً جداً في المناسبات العائلية مثل الأفراح أو الأحزان، وفي أوساط الغرباء والأقارب والجيران، حيث تنفصل الفتاة سلوى عن محيطها فكرياً واجتماعياً، فيما تبقى داخل هذا المحيط جسدياً فقط، الأمر الذي يجعلها أمام الآخرين كجسد بلا روح.

 

حالة سلوى بإدمان الجوال ليست حالة فريدة من نوعها، إنما باتت ظاهرة تكتسح الجيل الحديث المواكب للتكنولوجيا التي أثرت سلباً على ترابط الفرد بالمجتمع في المناسبات العائلية والخاصة مثل الأفراح وبيوت العزاء وفي كافة العلاقات الاجتماعية.

 

إحراج كبير

 

ولا يزال الشاب "طارق" يستذكر كيف وضع نفسه بإحراج كبير بين الأقارب والجيران، عندما خرجت من فيه قهقهة بصوت مرتفع خلال وجوده في بيت عزاء، حين كان منشغلاً بالدردشة مع صديقه الافتراضي عبر تطبيق فيسبوك بهاتفه النقال.

 

يقول طارق لـ"الاستقلال": "لقد أصبت بإحراج كبير، ونظر إليّ المعزون وأقارب المتوفى نظرة غاضبة، حتى أنا صدمت من خروج القهقهة مني دون قصد، ولكن ما حدث هو أن صديقي الذي كنت اتحدث معه عبر فيسبوك ذكر لي موقفاً مضحكاً ولم استطع ضبط نفسي حينها".

 

وأوضح أن هذا الموقف يتكرر معه في مواقف كثيرة، مثل المناسبات العائلية والمحاضرات الجامعية، مشيراً إلى أن المحيطين به يشعرون بانزعاج كبير بسبب عدم اهتمامه بهم وبوجودهم، منوهاً في ذات الوقت إلى أنه يحاول التغلب على هذا الإدمان دون فائدة.

 

ومثل هذه المواقف تتكرر أيضاً في الكثير من العلاقات، فمثلاً يمكن ببساطة إحساس العاملين في مؤسسة ما بالضيق والانزعاج عندما ينشغل مديرهم بهاتفه النقال خلال اجتماعهم سوياً لمناقشة العمل، ومثل ذلك أيضاً يمكن أن يحدث في العلاقات الزوجية بين أي زوجين عندما ينشغل أحدهما بهاتفه النقال متجاهلاً الآخر.

 

ويقدر خبراء أن الشخص العادي يتردد 110 مرات في اليوم الواحد في تصفح هاتفه الذكي ومختلف التطبيقات، ويؤكدون أن ذروة أوقات التصفح تتم بين الساعة الثامنة صباحاً حتى الواحدة ظهراً، والخامسة مساءً حتى التاسعة مساءً من كل يوم، وفقا لصحيفة ديلي ميل البريطانية.

 

وسائل التغلب

 

ويرى الخبير المصري في مواقع التواصل الاجتماعي أيمن صالح، أن الهواتف الذكية نقلت حياة البشرية من الواقعية إلى الافتراضية، وأصبح البشر ينجذبون نحو هذا الواقع الافتراضي للظهور بمظهر أكثر مثالية ومن أجل التعرف على آخرين يبدون أكثر مثالية من الأشخاص الذين نعرفهم على أرض الواقع.

 

وقال صالح لـ"الاستقلال": "انجذاب مستخدمي الهواتف الذكية إليها، قد يكون مهرب من الحياة الواقعية المليئة بالمشكلات، ولكن مسألة سلخ الذات وتحويل الشخصية إلى شخصية افتراضية من خلال إدمان الانترنت وهذه الهواتف، هو أمر مضر جداً على المستوى الاجتماعي، فالضروري أن يحافظ الإنسان على توازن حياته الواقعية وحياته الافتراضية".

 

وقدم الخبير المصري عدة نصائح قد تساعد على التخلص من إدمان الهواتف النقالة، من بينها، عدم استعمال الهاتف كساعة منبه للاستيقاظ من النوم، "فمجرد أن يقوم الشخص بإطفاء المنبه سيتصفح مواقع التواصل والتطبيقات المختلفة لذلك الأفضل الاستعانة بوسائل أخرى للاستيقاظ من النوم".

 

ونصح أيضاً بضرورة إقفال الإشعارات الخاصة بتطبيقات مواقع التواصل مثل فيسبوك في أوقات معينة يكون فيها تصفحها أمراً محرجاً، مثل المناسبات العائلية والشخصية والاجتماعات والجلسات بين الأصدقاء.

 

وأضاف صالح: "حاول ألا تنشر شيئاً قبيل موعد مناسبة ما أو اجتماع بأصدقاء أو بزملاء عمل، كي لا تنشغل عن هذه المناسبة أو هذا الاجتماع بمتابعة تعليقات النشطاء وردود الأفعال على ما نشرته، لذا تجنب ذلك ما استطعت وسيعود على حياتك الاجتماعية بنتائج جيدة". 

 

وتابع: "في العلاقات الاجتماعية وخلال الجلسات مع العائلة أو الأصدقاء، حاول أن تجعلهم يتفقون على فرض غرامة على من يمسك بهاتفه أولاً، كأن يدفع حساب المطعم، أو تأدية مهمة ما".

 

أخيراً، يرى صالح أن إغلاق "الواي فاي" تماماً سيمنح الإنسان حرية أكبر لممارسة حياته وأن يتنفس هواءً نقياً اجتماعياً بشكل أفضل، مشيراً إلى أن هذا الخيار هو الأفضل خلال مشاهدة التلفاز مع العائلة أو القيام بأنشطة اجتماعية مشتركة.

 

 

التعليقات : 0

إضافة تعليق