الشهيد " أبو طه" ودع طفلته بابتسامة ولبى نداء وطنه  

الشهيد
محليات

غزة/ دعاء الحطاب

كانت مشيئة القدر أقوى من كل محاولات عائلة الشهيد سعد أبو طه منعه من الخروج لمسيرات العودة الكبرى، والذي انطلق مسرعاً صوب الحدود الشرقية لقطاع غزة لتلبية نداء الوطن غير مكترث لصراخهم ومطالبتهم بعدم الخروج، مردداً «مستعجل سامحوني، الشهادة بانتظاري!" .

 

وبمجرد وصوله الحدود، توشح أبو طه بعلم بلاده وتلثم بكوفيته الفلسطينية، ولسانه يصدح « هادي الأرض إلنا» متقدماً خطوة تلو الأخرى حتى تمكن من الوصول لعمود كهرباء قرب السياج الفاصل، ورغم ترصد قناصة الاحتلال لكل من يقترب الا أنه تسلق عليه ليسقط علم إسرائيل ويرفع علم بلاده التي أحب، ولكن جند الاحتلال لم يتحمل قوة وعزيمة أبو طه، فقرر سرقة روحه برصاصته الغادرة.

 

وبعد ثوانٍ معدودة أصيب أبو طه (29 عاماً) ، برصاصة قناص حلقت بروحه فوق الأرض المحتلة، وسلبته من قلوبٍ لا تقوى على الحياة بدونه، وطفلةٍ عشقت حضن والدها، حيث ارتقى خلال مشاركته في جمعة الشهداء والأسري على الحدود الشرقية لمحافظة خانيونس، ليلتحق بكوكبة شهداء مسيرة العودة البالغ عددهم 43 شهيدًا منذ انطلاقها 30 مارس الماضي.

 

اللحظات الأخيرة

 

في منزل متواضع ضم ذكريات عائلته الصغيرة، كانت تجلس الأم المكلومة بصدر بيتها وعيناها تدققان بتفاصيل صورة نجلها الشهيد تارة، وتستقبل وفود المهنئات بالشهادة تارة أخرى، بدموع لا تتوقف عن السيل على وجنتيها، لكن هامتها مرفوعة وعلامات الصبر والثبات تعلو ملامحها.

 

بقلب تنعكس حرقته على نبرة صوتها، تسرد والدة الشهيد تفاصيل آخر لحظات حياته، قائلة:" بعد تناول طعام الغداء يوم الجمعة، جلس سعد وأخذ يلاعب طفلته ويحتضنها بطريقة غريبة ويوصينا عليها، وبعد دقائق قال بدي أروح على الحدود وقام بسرعة، ناديت عليه وحاولت امنعه ما رد وقال " يما مستعجل الشهادة بتستنانى، سامحيني" .

 

ومع خروج سعد من المنزل، عاد كل شيء لصمته وسكونه إلا قلب والدته الذي يرتجف خوفاً عليه ويترقب عودته سالماً، بعدما رأت طيفه محمولاً على الاكتاف كان يدور أمامها بكل لحظة.

 

وتضيف خلال حديثها لـ"الاستقلال": " بعد خروج سعد اخبرتني زوجته أنها رأته شهيداً في المنام، وحذرته كثيراً من الذهاب للحدود لكنه سخر منها وطلب منها ألا تخبرني كي لا أقلق عليه، حينها شعرت بانقباض قلبي رغم اني على يقين أنه سيأتي شهيداً بيومٍ ما منذ بدء مسيرات العودة".

 

فاجعة الاستشهاد

 

مضت الساعات وكأنها سنوات، ووالدة الشهيد تتنقل بين الإذاعات المحلية التي تتابع تغطية الأحداث على الحدود الشرقية لقطاع غزة لحظةً بلحظة، وتنصت لأسماء الشهداء والجرحى بدقة خوفاً من أن يكون نجلها واحداً منهم، لكنها لم تتوقع أن الخبر الذي تخشاه سيصلها قبل أن يُبث بالإذاعات.

 

وتتابع بغصة تعترض صوتها: "جلست عند أبنائي وزوجاتهم، أستمع إلى المذياع، وأركز في أسماء الشهداء، وأعداد الجرحى، وبعد ساعتين جاء ابنى الأكبر فخرجت نحو الباب، فوجدته بوجه غير الذي ذهب به".

 

انقبض قلب الأم وتحجرت الدمعات في عينيها حينما رأت ملامح نجلها الأكبر، لتسأله بتلعثم: " مين اللي استشهد يما، فقال سعد، فما كان مني الا أن أردد الحمد الله"، مشيرة إلى أنها كانت تتوقع استشهاد أحد أبنائها.

 

وأضافت: "كنت أحدث بناتي وزوجات أولادي بأن قلبي ينبض ويهوي، لكن أشعر بأن شيئاً ما ربط على قلبي".

وذكرت أن نجلها كان دائما يردد: "نفسي أستشهد ،أتمنى الشهادة"، مستدركة: "فقلت له انتبه على حالك يما، ما تترك زوجتك وطفلتك، فأجابني" الوطن أغلى وانا مش أحسن من الشهداء".

 

ولا تكف أم الشهيد التي تتوسط النساء الحاضرات لبيت العزاء عن الدعاء لفلذة كبدها، ولتلحقها بدعوات لبقية الشهداء والمصابين، مرددة: "الله يحنن عليه كان أقرب أبنائي، لا يقطع فريضة في المسجد، يهتم بالعلاقات الاجتماعية مع الأقارب، ما حد شافه إلا وحبه".

 

وفي نهاية حديثها لـ"الاستقلال"، قالت: "فقدان ابني صعب، ولكنه لأجل القدس والعودة والأرض يهون ويسهل، فجميعنا مشاريع شهادة، واتمنى أن أكون وبقية عائلتي شهداء مثله"

 

الوداع الأخير

 

لعل الشهيد سعد لم يرغب بالرحيل عن طفلته دون ان يودعها بابتسامة تُغرس في قلبها طول حياتها وتمنحها أملاً مع كل مرة تذكره بها ولا تجده، فعندما ألقت عليه نظرة الوداع جذبت الجميع لصراخها " بابا فتح عينه، بابا ضحك" يُبهر جميع الحاضرين بصدق كلماتها .

 

وألقى ذوو الشهيد نظرة الوداع عليه، في أجواء طغت عليها حالة الحزن والغضب على فراقه، ليمضي موكب التشييع إلى مسجد الشهداء بمدينة خان يونس، وسط هتافات غاضبة، تؤكد مواصلة مسيرة العودة.

 

وأدى المصلون صلاة الجنازة على جثمانه، ثم انطلق موكب التشييع بمشاركة ألاف المواطنين نحو مقبرة العائلة غرب المحافظة، لمواراة جثمانه الثرى.

التعليقات : 0

إضافة تعليق