الاستقلال/ سندس أبو كرش
لم يشفع له جسده النحيل وعمره الصغير والقوانين الدولية الداعية لحماية الأطفال في العالم، من غطرسة الاحتلال الاسرائيلي، لتخترق رصاصات الغدر قدمه حينما كان يلعب مع أصدقائه كرة القدم قرب الحدود الشرقية لقطاع غزة، معلنةً بذلك نتيجة اللعبة، وهي حرمانه من ممارستها بقرارٍ لا رجعة فيه.
الطفل عبد الرحمن نوفل (12 عاماً)، والذي كان يحلم أن يصبح لاعب كرة متألقاً يمثل وطنه في المحافل الرياضية الدولية، كان عليه أن يعيد حساباته من جديد ويرسم مستقبلاً جديداً لحياته بقدمٍ واحدة، بعد أن استهدفته قناصة الاحتلال أثناء مشاركته في مسيرة العودة على الحدود الشرقية للقطاع بشكل مباشر، وأدت إلى بتر قدمه اليسرى.
ورغم سلمية مسيرات العودة المتواصلة منذ 30 مارس الماضي، إلا أن قوات الاحتلال، تتعمد في كل يوم ارتكاب جريمة بشعة تقتل خلالها أحلام الفلسطينيين وآمالهم في الحصول على حياة كريمة في وطنهم كباقي الشعوب، حيث تطلق النار بشكل مباشر على المشاركين في المسيرات لقتلهم او إصابتهم بإعاقة مستديمة ترافقهم مدى الحياة.
وأعلنت وزارة الصحة الفلسطينية في غزة عن إصابة 17 مواطناً بحالات بتر، منها 4 في الاطراف العلوية و13 بالأطراف السفلية.
بقدمٍ واحدة
والد الطفل نوفل خلال حديثه عن طبيعة إصابة نجله قال بتنهيدةٍ طويلة :"عبد الرحمن لم يكن يشكل أي خطر على الاحتلال إلا أنه قوبل بوحشية حرمته من طفولته وأصابته بإعاقةٍ ستلازمه مدى الحياة، فقد قرر الأطباء بتر قدمه اليسرى بعد محاولات عدة لإنقاذها لم يكتب لها النجاح".
وأوضح نوفل لـ "الاستقلال" ، أن طفله أصيب برصاص متفجر في الساق، ادى الى تهتك وتهشم العظم وقطع للأوردة والشرايين.
وتابع "محاولات الأطباء في لإنقاذ قدم طفلي لم تنجح بسبب قلة الأدوية والمعدات الطبية في مستشفيات القطاع مما زاد حالته الصحية سوءاً، الأمر الذي دفعنا لتقديم طلب بتحويلة مستعجلة للعلاج في الضفة المحتلة، لكن سرعان ما قوبل الطلب بالرفض القاطع دون تقديم سبب لذلك".
وبعد مناشدات كثيرة قدمتها عائلة "نوفل" لرئيس السلطة الفلسطينية بالتدخل، سُمح لعبد الرحمن بالسفر للعلاج في مستشفيات الضفة، سافر حينها مع جدته عند الساعة 11 مساءً من يوم الأربعاء الماضي، في حين نفذ قرار البتر يوم الخميس مواجهاً ذلك القرار بمفرده.
بُتِر الحُلم
عبد الرحمن لم يكن وحده من يواجه ذات المصير، فكثيرٌ ممن شاركوا في مسيرات العودة لم يسلموا بأي شكل من الاشكال من غدر الاحتلال وغطرسته سواء أكان ذلك المصير برصاصة متعمدة تنهي حياتهم أو تصيبهم بإعاقة مستديمة.
الدراج علاء الدالي، والذي أراد المشاركة في مسيرة العودة على حدود رفح الشرقية بسلمية تامة كباقي المشاركين، للمطالبة بحقه بالعودة إلى أرضه التي هجر أجداده منها قسراً؛ بترت أحلامه هو أيضاً بتمثيل فلسطين في رياضة الدراجات الهوائية، بعد أن أفقدته رصاصة إسرائيلية ساقه.
وبصوت خافت لا يكاد يسمع وبكلماتٍ مليئة بالوجع روى الدراج علاء الدالي تفاصيل إصابته قائلاً: " عقب صلاة الجمعة بدأ المشاركون في مسيرة العودة بترديد الهتافات والشعارات الوطنية التي توكد على حقهم في أرضهم، فلم يرق لجنود الاحتلال سماع تلك الشعارات التي تذكر بأنه مجرد احتلال سيزول يوماً ما، فاستشاط غضباً وإنهال علينا بالرصاص الحي وقنابل الغاز السام".
وتابع الدالي لـ " الاستقلال"، "فجأة شعرت بطلق ناري يخترق جسدي على إثره وقعت على الأرض وبقيت على حالتي تلك أنزف لمدة 3 ساعات، فالإصابات في المكان كانت كثيرة وفرصة الاقتراب منا وإنقاذنا قليلة؛ فقناصة الاحتلال كانت تطال كل من يقترب منا".
وأضاف "لم أتقبل وأهلي قرار بتر قدمي اليمنى فتطبيق هذا القرار يعني أنني أتخلى عن حلمي الذي طالما تدربت من أجل أن أحصده، حينها حاول الأطباء الإبقاء على قدمي وعدم بترها في محاولة لإنقاذها من البتر، ولكن هذه محاولات استمرت لمدة أسبوعين كانت كالكابوس تمنيت أن استيقظ منه".
وأوضح أنه بعد أسبوعين تحول الكابوس إلى حقيقة حيث تدهورت حالته الصحية بفعل المواد السامة التي احتوتها الرصاصة المتفجرة التي أصابته لينتهي بقتل الحلم وإعاقته مدى الحياة.
صاحب الجسد القوى والعزيمة الصلبة، لم يعد قادراً على اسناد نفسه من الفراش إلا بعكازين سيلازمانه بعدما بُترت قدمه، تحول حينها "الدالي" من رياضي حصد الميداليات، إلى قعيد يحتاج إلى سنوات ليتعافى.
الدرّاج علاء الدالي حاصل على عدة ميداليات في رياضة الدراجات الهوائية منذ أن كان في السابعة عشرة من عمره، وهو أحد لاعبي المنتخب الفلسطيني في هذه الرياضة، كل حلمه هو السفر لتمثيل بلاده في البطولات العربية والدولية، فلم يكتفِ الاحتلال بفرض الحصار وإغلاق المعابر، بل عمد إلى إصابته برصاص متفجر محرم دولياً لينهي ذلك الحلم إلى غير رجعة.


التعليقات : 0