غزة/ دعاء الحطاب
لم يكن بحاجة إلى اذنين يتمتعان بحاسة سمع كي يسمع نداء الوطن، ولا لسان يردد: "لبيك فلسطين" كي ينتفض في وجه مغتصب أرضة، خرج من بيته متناسياً إعاقته، تقدم الصفوف برفقة زملائه في وحدة الكاوشوك، وقلبه يردد بصمت "الله أكبر".
كان الطفل تحرير وهبة (17 عاما) يعلم أن ثمة جنوداً حاقدين مزودين بقانصات حديثة، ويختفون خلف تلال رملية يتربصون به وبباقي المتظاهرين من أمثاله، لكن هذا لم يمنعه من الوصول لمبتغاه، ارتدى كوفيته، وأمسك بالعلم وتقدم، وبمجرد أن رأى ذلك القناص متوارياً خلف تلة، رفع علماً في يده وشوح بالأخرى رافعاً علامة النصر، فباغتته رصاصة اخترقت رأسه وأسقطته أرضاً.
مرت الأيام ، وتحرير يُصارع بجسده الصغير الموت على سرير المستشفى متشبثاً بالحياة، والأطباء يناضلون ويبذلون كل جهدهم لإنقاذ حياته، حتى اختاره الله ليلتحق بركب شهداء مسيرة العودة الكبرى.
فارتقى شهيداً الاثنين الماضي متأثراً بجراحة إثر إصابته برصاص الاحتلال الإسرائيلي في رأسه، شرق مدينة خانيونس، في بداية أحداث مسيرة العودة الكبرى.
نطق بدمه
عجز تحرير عن النطق لم يُعجزه عن التعبير عن حبة لوطنه الأغلى فلسطين و استعداده للتضحية من أجل ترابه الذي سلبه الاحتلال من عائلته وحرمها من التنعم بخيراته، فقبل توجهه للحدود ترك ورقة صغير كتب عليها بخط يده: " أريد الشهادة وليس الإصابة".
بابتسامة فخرٍ تعلوها غصة الفراق، تقول والدة الشهيد وهبه:" تحرير منذ صغره كان يرسم علم فلسطين على دفاتره وحيطان غرفته، وكان يكتب شعارات تعبر عن حبه للوطن، لكن ما كنت بعرف انه شعاره الأخير سيكون الشهادة".
وتتابع الأم المكلومة خلال حديثها لـ"الاستقلال":" بدأت أشعر بتغير تحرير وزيادة وعيه لحب الوطن منذ اعلان ترامب القدس عاصمة لإسرائيل، فقد كان يُعبر عن غضبة بلغة الإشارة وبإصراره على الذهاب للحدود كل جمعة برفقة أصدقائه، وعندما أعلنت الفصائل عن مسيرة العودة أخبرني بأنه سيُشارك بها كل يوم".
الوطن ناداه
منذ بداية فعاليات مسيرة العودة الكبرى في 30 مارس الماضي، عزم تحرير على المشاركة بها بشكلٍ يومي لعله يستطيع أن يشُم رائحة بلاده الاصلية (صرفند العمار)التي هُجرت منها عائلته قسراً وحرمت من خيراتها لأكثر من 70عاما.
وأضافت والدة الشهيد:" منذ بدأ مسيرات العودة تحرير أخذ علم فلسطين و اتفق مع أصدقائه انهم يتوجهون للحدود بشكل يومي، حاولت أمنعه كثيراً لكن ما كان بسمع مني وكان دائماً يؤشر على رأسه أنه يريد أن يستشهد"، مشيرة إلى أن نجلها انضم لوحدة الكاوشوك في الجمعة الثانية من مسيرة العودة، وأثناء نقله للإطارات المطاطية أُصيب برصاصة براسه أدت إلى استشهاده بعد صراع مع الموت لمدة أسبوعين على سرير المستشفى.
قلب الأم الذي فُطر على حب نجلها، اجبرها على البقاء بجوار فلذة كبدها لأسبوعين داخل المستشفى، فتارة تقف على نافذة غرفة العناية المُكثفة تراقب نبضات قلبه المرسومة على جهاز القلب، وتارة أخرى تلحق بالأطباء لعلهم يعطونها بشرى نجاته من موتٍ مُحقق.
وأردفت وهبة بألم يعتصر قلبها:" لما عرفت بخبر إصابة تحرير شعرت كأن رصاصة اخترقت صدري، لم أستطع التحمل، ذهبت للمستشفى بسرعة حينها كان الأطباء يُجرون له عملية مستعجلة، وبعد ساعتين خرج من العملية ووضعوه بغرفة العناية المشددة، وأخبروني أن وضعه حرج".
وتتتابع والدموع تملأ وجنيتها:" ما قدرت أترك تحرير في المستشفى وأروح على البيت، قعدت عنده طول فترة علاجه عشان أطمن عليه أول بأول، كانت أيام صعبة للغاية كنت أتمنى بس أنه يفتح عيونه".
فاجعة الاستشهاد
مساء يوم الأحد الماضي، غادرت والدة الشهيد تحرير المستشفى بعد محاولاتٍ كثيرة أجرتها العائلة كي تغادر لتأخذ قسطاً من الراحة، لكنها لم تكن تعلم أن هذه الليلة ستكون الأخيرة في حياة "حبيب قلبها" كما تلقبه، ففي اليوم التالي استيقظت على فاجعة استشهاده.
وتقول بغصة تعترض صوتها:" استشهاد تحرير كان فاجعة النا، كنت أنتظر يفتح عيونه مش يسكرهم للأبد وبالوقت الذي تركته لوحده بالمستشفى"، مضيفة: "تحرير ما حمل سلاحاً هو رفع علم فلسطين وطالب بالعودة إلى بلاده، وهذا حق مشروع له ولكل فلسطيني، ليش قتلوه؟".
" حبه للوطن هو اللي ناداه، كان نفسه يدخل أرضه اللي سلبوها اليهود، لكن سلبوا روحه قبل ما يحقق حلمه"، هكذا أعربت الأم الحزينة على فراق نجلها عن ظلم وعنجهية الاحتلال الذي يتربص بكافة المتظاهرين السلميين على الحدود الشرقية للقطاع.
وأكدت أن استشهاد تحرير، لن يُثنيهم عن الدفاع عن وطنهم وتحرير فلسطين، قائلة: "أبنائي السبعة الباقون وأنا في مقدمتهم فداء للوطن وللعودة وللقدس، سلب الاحتلال فلذة أكبادنا من بيننا لكننا مصممون على حقنا بالعودة إلى أراضينا لآخر قطرة دم فلسطينية".
ودعت إلى استمرار مسيرة العودة حتى تحرير فلسطين وعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم، ليس فقط إلى منتصف مايو، قائلة: "القدس عاصمة فلسطين شئتم أم أبيتم".
نظرة الوداع
رغم أن القلب لا يقبل بفراق أحبته، ويعتصر ألماً لرحيلهم، تمالكت والدة الشهيد وهبة نفسها قبيل إلقاء نظرة الوداع عليه وطبع قبلتها الأخيرة على جبينه المنير، وبدأت كأنها توزع الصمود والثبات على النسوة اللاتي حضرن لمواساته، من خلال تأكيدها على التمسك بحق العودة الذي استشهد من أجله تحرير، ولسان حالها يردد" راح تحرير، وان شاء الله راح يجي ألف تحرير ليحرروا فلسطين".
وانطلق موكب التشييع لجنازة مهيبة، من مستشفى غزة الأوروبي إلى منزل الشهيد بمنطقة معن شرق خانيونس، ومن ثم إلى مسجد أبو عبيدة ابن الجراح بالمنطقة، ليوارى بعدها الثرى في مقبرة المنطقة.


التعليقات : 0