غزة/ سماح المبحوح
رصاصة واحدة أطلقها صوبه أحد جنود الاحتلال الإسرائيلي كانت كفيلة لإسقاط الشاب حسين ياسر جريحاً بأرض خيام العودة الكبرى لإفشال محاولاته بإنشاء سواتر رملية على الحدود الشرقية لمخيم البريج وسط القطاع، قبل يوم واحد من جمعة " الشباب الثائر".
رغم أن الشاب ياسر لم يعد يقوى على الحركة، إلا أن جنود الاحتلال استمروا بإطلاق الاعيرة النارية وقنابل الغاز السام حوله، لمنع رجال الإسعاف من الاقتراب منه وإنقاذ حياته، إلا أنهم تمكنوا بعد عدة دقائق من نقله الى مستشفى الأقصى بمحافظة الوسطى بعد محاولات عدة.
إصابة الشاب ياسر، مشهدٍ يتكرر بكل لحظة تمر على مسيرات العودة السلمية التي انطلقت للمطالبة بحق العودة الى الأراضي المحتلة التي هٌجر الفلسطينيون منها قسراً عام 1948م، ففي كل يوم يصاب العشرات من الشباب المتظاهرين بعدما تباغتهم رصاصات الاحتلال الغادرة، فمنهم من بُترت قدمه ومنهم من أُلحق به الأذى والكسور وأصبح عليلاً طوال حياته، ومنهم ما زال يرقد على اسرة المستشفيات ولا يزال يحتاج الى العلاج.
آلام مُضاعفة
وبمجرد وصوله المستشفى خضع لعدة عمليات لإنقاذ قدمه المصابة من البتر، لكن آلامه لم تنته بإنقاذها بل تضاعفت جراء نقص الادوية اللازمة لتحسين حالته الصحية وامتثاله للشفاء بشكل أسرع.
ويقول المصاب ياسر لـ"الاستقلال": " يوم الخميس الماضي، توجهت صباحاً للحدود الشرقية لمخيم البريج ، للمشاركة في وضع السواتر الرملية استعداداً لجمعة الشاب الثائر ضمن مسيرات العودة الكبرى برفقة أصدقائي، وأثناء تجهيزنا لبعض الاكياس أُصبت برصاصة متفجرة بقدمي"، واصفاً الدقائق الأولى من الإصابة بأنها كـ"الصعقة الكهربائية التي تسري في كامل جسده".
ويتابع بعد أن أمسك رأسه من شدة الألم:" خضعت لعدة عمليات حتي تجاوزت خطر البتر، لكن هذا لم يوقف معاناتي وأوجاعي نظراً لقلة العلاج ومسكنات الألم التي تهدئ من شدتها، حيث يُعطيني الأطباء جرعه واحدة من المسكن طوال اليوم وهذا لا يكفي لإخماد أوجاع مصاب"، مستصرخاً كل الضمائر الحية لتوفير العلاج اللازم له ولكافة الجرحى لأن معاناتهم تتضاعف بكل لحظة تمر دون دواء.
حكاية ألم مشابهة
صراخ الجرحى من قلة الدواء المسكن لآلامهم بدا واضحا داخل غرف مستشفى الاندونيسي شمال القطاع، فعند التجول داخلها، فلا صوت يسمع سوى الصراخ، الذي يخيل أنه صوت زائرين فقدوا عزيزا عليهم، الحقيقة تظهر عندما تقترب أكثر لتجد عشرات الجرحى بمختلف الأعمار يتلوون ألما كلما زال مفعول مسكن الآلام من أجسادهم.
فمنذ عدة أيام، داخل احدى الغرف في مستشفى الإندونيسي شمال القطاع، يصرخ الجريح فادي أبو لحية من شدة الألم، بعد اصابته بعيار متفجر في قدمه اليمنى، أثناء مشاركته بالجمعة الخامسة من فعاليات مسيرات العودة الكبرى، دون أن يستطيع الأطباء تقديم جرعات العلاج التي يحتاجها للتخفيف عنه أوجاعه، جراء نقص الادوية بمخازن وزارة الصحة منذ ارتفاع أعداد المصابين.
وفي كل مرة ينتهى يمر ولا يأخذ العلاج الذي يحتاجه ، يبدأ معها الجريح أبو لحية بالطلب كل من يحيط به، لشراء ما يستطيعون من مسكن من إحدى الصيدليات القريبة من المستشفى على حسابهم الخاص.
ويقول أبو لحية لـ"الاستقلال" بعدما ضغط على جرحه: " بدون مسكن ما بقدر أتحمل الوجع، ساعات كتير بصير أصرخ، ورغم هيك الدكاترة ، ما بعطوني جرعات علاج ومسكن كافية".
وأضاف: " يتعمد الاحتلال الإسرائيلي استهدافنا، لأنه متأكد أنه ما في علاج إلنا، لنتعافى أو يخفف وجعنا، وبهيك بنموت في كل مرة ما بكون فيها مسكن"، مناشدا المؤسسات الدولية بالتدخل العاجل لإدخال الأدوية اللازمة للتخفيف عن المصابين بمختلف مستشفيات القطاع.
ويتعمد جنود الاحتلال الإسرائيلي تنفيذ عمليات قنص مباشرة بحق المواطنين الفلسطينيين المشاركين بمسيرة العودة الكبرى ، وإصابتهم بالمناطق السفلية من أجسادهم بهدف احداث أكبر قدر ممكن من الإعاقات الحركية وحالات البتر، بالإضافة الى حالات الشلل الكامل، كما يطلق قنابل الغاز السام المحرمة دوليا باتجاههم.
وانطلقت مسيرات العودة في الثلاثين من شهر مارس الماضي، في 5 مناطق حدودية شرقي القطاع، وهي: خانيونس بلدة خزاعة "بوابة النجار"، ورفح حي النهضة "بوابة المطبق"، والوسطى مخيم البريج "بوابة المدرسة"، غزة حي الزيتون "بوابة ملكة"، والشمال "بوابة أبو صفية"، ونقطة 4/4شمالي بيت حانون.
وبحسب وزارة الصحة في قطاع غزة، فإن 44 شهيدا و6793 إصابة بجراح مختلفة بالرصاص الحي والمطاطي والمتفجر ، هي حصيلة اعتداءات الاحتلال الاسرائيلي على المشاركين في مسيرات العودة في قطاع غزة، منذ 30 آذار .
نفاد الدواء
بدوره، حذر الدكتور يوسف أبو الريش وكيل وزارة الصحة بغزة ، من انهيار وشيك للوضع الصحي في مستشفيات قطاع غزة بعد وصوله لمراحل خطيرة لم تصل له من قبل.
وأضح أبو الريش خلال مؤتمر صحفي ظهر أمس الاربعاء، أن العديد من الادوية و الاصناف الطبية الخاصة بالمرضى نفذت بنسبة كبيرة.
و قال: " إن الوضع الصحي في القطاع لم يسبق له مثيل من قبل"، موضحا أن عدم توفر الادوية التي وصلت الي قرابة 50% من الأدوية الاساسية في الوزارة مفقودة.
ولفت الى أن 30% من المستهلكات الطبية رصيدها في مخازن الوزارة أصبح صفراً، مشيراً إلى أن قرابة 4500 عملية جراحية مؤجلة منذ بداية أبريل الماضي لعدم المقدرة على التعامل معها في ظل نفاذاً الأدوية.
وشدد على أنه آن الأوان لتجنيب القطاع الصحي أي تجاذبات سياسية ، مؤكداً أن دعم المشافي لم يصل الى المستوى الذي يعالج القطاع الصحي لمنعه من الانهيار.
وطالب المنظمات الحقوقية المحلية منها والدولية بالوقوف عند مسؤولياتها والضغط على الاحتلال لرفح الحصار ، لافتا إلى وجود انتهاك صارخ يمنع المريض من حقه المكفول من الوصول للخدمات الصحية وحرمانه من السفر للعلاج في الخارج.


التعليقات : 0