غزة/ سندس أبو كرش
صورٌ لا تحمل في مضمونها سوى السلمية التي خرج بها المشاركون في مسيرة العودة الكبرى على الحدود الشرقية لقطاع غزة للمطالبة بحقهم في العودة، ولكنها في الحقيقة كابوس يلاحق قوات الاحتلال الإسرائيلي، لما تمثله من سلاح يفضح حقيقة الجيش الإسرائيلي، واسلوب جديد في مواجهة جرائمه التي يمارسها بحق الفلسطينيين بشكل متعمد، لتضع أصحابها في دائرة الاستهداف المتعمد.
ولم تعد الشارة الصحفية درعاً حامياً للمصورين والإعلاميين في قطاع غزة، بل باتت تشكل خطراً على حياتهم خلال أداء عملهم في نقل الحقيقة على حدود القطاع، باعتبارهم الشاهد على الاعتداءات الإسرائيلية بحق المتظاهرين العزل المشاركين في مسيرات العودة.
وتتعمد قوات الاحتلال استهداف وقنص المصورين وكل من يحمل بين يديه الكاميرا بالرصاص الحي والغاز السام، لمنعهم من التصوير رغم ارتدائهم الملابس الخاصة بالصحفيين ووجودهم في أماكن بعيدة نسبيًا عن المتظاهرين، ولم يشكلوا أي خطر أو تهديد عليهم، والعمل على إسكاتهم بأي وسيلة، ليمرر الرواية التي يريدها وقتما يشاء.
وأصيب 12 صحفياً بالرصاص الحي والمتفجر خلال مسيرات العودة الكبرى، مما أدى إلى استشهاد المصور مرتجى وأبو حسين، وبتر ساق الصحفي يوسف الكرنز، وتمزيق في أوردة المصابين في القدم، وإصابة اثنين آخرين بالرصاص المطاطي، في حين أصيب 62 صحفياً بالاختناق بالغاز السام، و12 حالة تم استهدافهم بقنبلة الغاز مباشرة.
مع سبق الإصرار
الناشط الشبابي والمصور الحر "يوسف الكرنز" أراد أن يشارك في تحقيق حلمه في العودة إلى أرضه التي هجر منها أجداده بإمكانياته البسيطة، لم يكن يعلم أن كاميرته ستشكل خطراً على جنود الاحتلال المدججين بأقوى الأسلحة والمختبئين خلف السواتر الرملية المنتشرة على حدود قطاع غزة، ليفاجأ برصاص القناصة يخترق قدميه قبل أن يسمع صوته، الأمر الذي أدى إلى بتر إحدى قدميه وإنقاذ الأخرى في اللحظة الأخيرة.
الكرنز الذي يخضع للعلاج في مستشفى الاستشاري العربي برام الله، يروي تفاصيل إصابته خلال حديثٍ لـ "الاستقلال": " في 30 من مارس الماضي تم دعوتنا كنشطاء للمشاركة في مسيرة العودة الكبرى السلمية للمطالبة بحق العودة؛ قمت بتجهيز معداتي الصحفية وتوجهت برفقة زملائي إلى شرق مخيم البريج، وعقب صلاة الجمعة بدأ الاحتلال يطلق النار على المشاركين بشكل جنوني، وثقت حينها بعدسة كاميرتي بعضاً من الإصابات في المكان، لكن جنونه ذلك لم يقف عند حد المشاركين بل طال كل من يحمل في يده كاميرا أو أي وسيلة يوثق بها جرائمه".
وتابع "من الطبيعي أن يُسمع صوتُ الرصاص عندما يتم إطلاقه، لكن الرصاصات التي أصابتني لم أشعر بها إلا عندما اخترقت قدميّ وبدأ الألم يتمكن مني، حينها سقطتُ أرضاً وبدأت حالتي بالتدهور، ولم تكفِ وحدات الدم التي زودت بها في إنقاذ حياتي، لتبتر قدمي اليسرى في غزة، ويتم إنقاذ الأخرى برام الله".
علاج "الكرنز" لم يكن سهلاً، فإصابته كانت أكبر من إمكانيات مشافي قطاع غزة، والتي تعاني من نقص في الأدوية والمعدات الطبية، الأمر الذي جعله يقدم طلباً للعلاج في مستشفيات الضفة المحتلة، لكن ذلك الطلب قوبل في بداية الأمر بالرفض من قبل سلطات الاحتلال بحجة أن من يشارك في مسيرة العودة لن يسمح له بالخروج للعلاج.
صورة برصاصة
ومن اليوم الأول لمسيرة العودة الكبرى بدأ المصور عبد الرحمن الكحلوت بتغطية الفعاليات المقامة على أرض مخيم العودة شرق مدينة غزة (ملكة) بشكل شبه يومي ليوثق بعدسة كاميرته تراث وأصالة المهجرين المشاركين فيها تارة، وجرائم الاحتلال الاسرائيلي الممارسة بحقهم تارة أخرى.
عبد الرحمن الكحلوت ( 22عاماً)، جهز كاميرته ومعداته الإعلامية وبدأ يمارس عمله في جمعة الشباب الثائر "الجمعة الخامسة" كسابقتها، متنقلاً بصوره بين مشاهد الإصابات التي نتجت عن اعتداءات الاحتلال بالرصاص الحي وقنابل الغاز السام، ومشاهد أخرى من صمود وثبات المشاركين، مركزاً على المعدات البدائية التي كانوا يستخدمونها في الدفاع عن أنفسهم.
تلك المشاهد التي كان يبثها عبد الرحمن وزملاؤه بشكل مباشر عبر مواقع التواصل الاجتماعي لم ترق لقادة جيش الاحتلال فعمد لاستهدافٍ مباشر نحو المصورين.
ويقول الكحلوت لـ"الاستقلال": "على بُعد300 متر من الحدود الفاصلة مع الأراضي المحتلة بدأ جنود الاحتلال بإطلاق رصاصاتهم الغادرة تجاهنا، بدأت حينها بالانسحاب من المكان، إلا أن إصرار الاحتلال على استهدافنا كان أسرع مني، حيث أصبت بطلقٍ متفجر في قدمي جعلني أسقطُ أرضاً وأفقد كاميرتي بفعل كسرٍ أصابها".
وأضاف الكحلوت: "ذلك الاستهداف جاء في محاولة لقوات الاحتلال الاسرائيلي لإسكات صوت الحقيقة وردع الصحفيين عن عملهم الذي أوصل الصورة والحقيقة للعالم، وكشف الدعاية الكاذبة التي تحاول أن تصوّر أن المتظاهرين على حدود القطاع بأنهم غير سلميين".
تكميم الأفواه
سياسة تكميم الأفواه لم تثنِ المصور لدى وكالة «هلا فلسطين» هاشم حمادة" عن مواصلة مشواره في نقل الحقيقة، فلا تعد إصابته في مسيرة العودة هي الأولى، بل سبقها إصابةٌ خلال العدوان الأخير على قطاع غزة عام 2014 في قصفٍ لأحد المنازل، إضافة إلى إصابته خلال تغطية المواجهات مع قوات الاحتلال على حدود القطاع العام الماضي.
"حمادة" والذي أصابت قنبلة الغاز السام وجهه بشكلٍ مباشر وتسببت في فتحة بمقدمة رأسه إضافة إلى حروق في المكان، ما يزال مصراً على إكمال مسيرته في توثيق جرائم الاحتلال الاسرائيلي التي يمارسها بحق أبناء شعبه، ونقلها للعالم ليبطل رواية العدو التي تزعم بأن الفلسطينيين هم من ينتهكون حقوق الانسان ويواصلون أعمال الإرهاب بحقهم.
وأوضح حمادة لـ "الاستقلال": "مهمة الصحفي الفلسطيني في الميدان ليست بسيطة، فهي تعني أن يحمل روحه على كتفيه قبل أن يحمل كاميرته، فلم تعد المواثيق والقوانين الدولية التي تنص على حماية الصحفيين في المناطق الساخنة بر الأمان، في ظل احتلال لا يعترف بتلك القوانين ولا يلتزم بها، ولا يفرق بين مدني ومسلح أو كبير وصغير أو حتى إعلامي، وميدان الحقيقة قدم العديد من الشهداء والجرحى وهذا أكبر دليل على انتهاك الاحتلال لحقوق الانسان".
وبين حمادة "في ظل غياب الحصانة يجب أن نعمل بحذر شديد ونحافظ على السلامة المهنية ولا نستهين بعمليات القنص التي يقوم بها ذلك الجيش المجرد من كل الأخلاق والقيم".


التعليقات : 0