تستقبل رمضان ببيوت عزاء

عوائل شهداء مسيرة العودة.. إفطار بلا طعم!

عوائل شهداء مسيرة العودة.. إفطار بلا طعم!
محليات

غزة/ سماح المبحوح

بسعادة غامرة وابتسامة ملأت بيت والديه، حزم الفتى سعدي في ساعات الصباح الباكر، رحاله متوجها إلى الحدود الشرقية لبلدته بيت حانون شمال القطاع، رغم محاولات والدته منعه من الذهاب، إلا إنها في نهاية المطاف رضخت لمطلبه على وقع الحاحه الشديد، وقلبها يئن خوفا وقلقا عليه، ولسانها يلهج بالدعاء له.

 

ومع خروج الشهيد سعدي أبو صلاح " 16 عاما" من المنزل، لوح بيده لوالديه وذويه مودعا ، طالبا منهم أن يدعوا له بالشهادة، كما كان يتمنى و يرددها على مسامعهم في كل مرة يذهب بها على الحدود الشرقية، منذ بدء مسيرات العودة في الثلاثين من مارس الماضي.

 

مضت الساعات ثقيلة على قلب الأم، وهي تراقب عقارب الساعة المتأرجحة، منتظرة عودة ابنها للمنزل مرة أخرى؛ ليجوب طيفه الأجواء من جديد، ويشاركهم فرحة قدوم شهر رمضان المبارك،  لكنها لم تتوقع أن تعلن الإذاعات المحلية، خبر استشهاده برفقة عدد من المتظاهرين السلميين على الحدود الشرقية، ظهر يوم الاثنين الماضي يوم المسيرة المليونية.

 

وفي ذات اليوم أعلنت المصادر الطبية استشهاد  60 مواطنا منهم 7 أطفال و مسعف، وإصابة نحو 2771 مواطنا برصاص قوات الاحتلال الاسرائيلي، وقنابل الغاز المسيل للدموع، خلال مشاركتهم في مخيمات العودة شرقي قطاع غزة في إطار "مليونية الزحف".

 

رمضان دون فلذتها

 

مشاهد ولحظات صعبة عاشتها الأم، فأثناء دخول جثمان الشهيد سعدي المنزل لإلقاء نظرة الوداع الأخيرة عليه، هرع كل الأهل والأحبة لرؤية ذاك الوجه البريء، وطبع قبلة أخيرة على جبينه، باستثناء والدته التي وقفت تتأمله، قبل أن يفسحوا لها الطريق للوصول للجثمان.

 

وما هي إلا دقائق سريعة حتى خرج الشهيد من منزله محمولا على الأكتاف وتبعته صرخات الأحبة على فراقه، وهم يستقبلون شهر رمضان المبارك دون وجوده بينهم، وهو الذي كان يداعبهم تارة ويلقى عليهم المواعظ الايمانية تارة أخرى، ويصبر أطفال حارته وأقربائه على مشقة الصيام لاحتساب الأجر ونيل الثواب.

 

ويشق شهر رمضان المبارك طريقه في نفوس من فقدوا أحباء لديهم، وبالأخص الوالدين فيستذكرون فلذة أكبادهم بحرقة وإيمان بقضاء الله وقدره وأن الموت حق لا مفر منه، فتحدثت والدة الشهيد الثكلى عن صعوبة مصابها الجلل، خاصة مع قدوم شهر رمضان المبارك، دون أن يكون بينهم يتوسط مائدة السحور والإفطار.

 

وبصوت خنقته الدموع تقول: "أول رمضان بدون سعدي، مش عارفة كيف حجهز الأكل الي كان يحبه لأخوته ومش عارفة كيف حتكون سفرتنا بدون ما يكون بينا قاعد، كان دائما بذكرنا بفضل الدعاء قبل أذان المغرب وقبل الإفطار".

 

وتضيف والغصة تملأ صدرها: "بعد استشهاد سعدي اخواته الصغار حيفتقدوه كتير، لأنه كان يأخذهم لمجالس الذكر وقراءة القرآن بالمسجد، وللصلاة كل أذان خاصة الفجر والعشاء والتراويح".

 

وبكلمات الحمد والشكر لاستشهاده و بنبرة فخر واعتزاز كبيرة تابعت: " على الرغم من صعوبة الفراق خاصة فراق الابن مهجة القلب، وفقدانه في كل المناسبات مثل شهر رمضان والأعياد وغيرها، إلا أني بحمد ربي الذي اصطفاه شهيد، واختارني لأكون والدة شهيد، والحمد لله الذي حقق أمنيته بالشهادة، إلي كثير طلبها وبالنهاية نالها".

 

فراق وفقد الشقيق

 

وكما لرمضان فرحته في نفوس الأطفال والكبار، إلا أنه يمثل غصة لدى من فقد أحبائه وحرم مجالستهم في مثل هذا الشهر الكريم، فرحيل الشقيق الأكبر له وقع كبير في النفس، خاصة إذا كان القدوة والمثل الأعلى لهم بصفاته وطيبة أخلاقه.

 

فرحيل الشهيد عمر أبو فول " 31 عاما" أثناء تواجده على الحدود الشرقية لمدينة غزة، في يوم المسيرة المليونية، ترك صدمة كبيرة في نفس شقيقه سيف الدين، الذي لم يستوعب أن يتركه شقيقه مبكرا، و يستقبل شهر رمضان المبارك دونه.

 

فلم يكن يعلم سيف الدين ولا عائلته أن ذهاب عمر في ذلك اليوم سيكون اليوم الأخير له بينهم، وأنه لم يشاركهم بعد اليوم وجبة السحور والفطور كعادته طيلة شهر رمضان، قائلاً: " اعتدنا طيلة شهر رمضان المبارك، أنا وجميع أشقائي وزوجاتنا وأطفالنا على أن نجتمع على وجبة الإفطار والسحور مع والدينا في منزلهما الواقع في الطابق الأول، ولكن رمضان هذا العام اكيد ما اله طعم في غياب عمر".

 

 ويضيف بصوت حزين: " بعد ما راح عمر حفقد السند والداعم والمربي الخلوق والطيب، حفقد من كان لنا المثل الأعلى، من كان يذكرنا بربنا واللجوء إليه وقت المصاعب" داعياً له ولجميع الشهداء بأن يكرمه الله ويوسع مدخله"

 

ويستقبل مواطنو قطاع غزة شهر رمضان المبارك، بقلوب ملؤها الحزن والألم على فراق الأحبة، فلا طقوس ستزين منازلهم سوى بيوت العزاء وقدوم المعزين لمشاركتهم مصابهم بفقدان من رحلوا شهداء عن الدنيا، خلال مسيرات العودة الكبرى على الحدود الشرقية للقطاع.

 

وبلغ عدد الذين استشهدوا برصاص الاحتلال الإسرائيلي، منذُ انطلاق فعاليات مسيرة العودة وكسر الحصار السلمية في 30 آذار الماضي، قرب السياج الأمني الفاصل بين شرقي قطاع غزة والأراضي المحتلة، 108 شهداء  بينهم 7 أطفال، فيما أصيب نحو 12 ألفا آخرين.

 

 

التعليقات : 0

إضافة تعليق