غزة/ خالد داود:
لم يعد الحصول على جرعة الإنسولين في قطاع غزة مجرد حاجة طبية يومية للأطفال المصابين بداء السكري، بل أصبح معركة شاقة تتعلق بالحياة والموت، في ظل النقص الحاد في الأدوية والمستلزمات الطبية، وتراجع القدرة على إجراء الفحوصات الدورية ومتابعة الحالات المرضية بفعل تداعيات الحرب المتواصلة في القطاع.
ولم تقتصر آثار الحرب الإسرائيلية في قطاع غزة على الأطفال المصابين بالسكري في مشاهد القصف والنزوح وفقدان المأوى، بل امتدت لتطاردهم في تفاصيل حياتهم اليومية، بعدما تسببت الأضرار التي لحقت بالمستشفيات والمراكز الصحية، والقيود على إدخال الأدوية والمستلزمات الطبية، في تفاقم أزمة الحصول على الإنسولين وضمان تخزينه بصورة آمنة.
وأمام تدهور الأوضاع المعيشية وانعدام الأمن الغذائي، بات هؤلاء الأطفال يواجهون صعوبة في الانتظام على وجبات غذائية مناسبة ومتابعة مستويات السكر في الدم، فيما يزيد النزوح المتكرر والخوف والضغوط النفسية من صعوبة السيطرة على المرض.
وتتجاوز خطورة الأزمة مسألة نقص الدواء، لتشمل غياب شرائط فحص السكر وأجهزة القياس، وصعوبة توفير الحقن، وتدهور ظروف تخزين الأدوية، فضلاً عن تراجع الخدمات الصحية المتخصصة، ما يجعل السيطرة على المرض أكثر تعقيداً ويزيد احتمالات حدوث مضاعفات خطيرة.
"إنسولين منتهي الصلاحية"!
وفي الوقت الذي يحتاج فيه الطفل المصاب بالسكري إلى جرعات منتظمة من الإنسولين ومراقبة مستمرة لمستوى السكر في الدم، يجد أطفال غزة أنفسهم أمام واقع صحي بالغ الخطورة، حيث تضطر بعض العائلات إلى البحث لساعات طويلة عن الدواء، فيما تلجأ أسر أخرى، وفق شهادات، إلى استخدام أقلام إنسولين منتهية الصلاحية في محاولة لتجنب انقطاع العلاج.
وتواجه نهاوند جحا والدة الطفل أمير جحا (10 أعوام)، المصاب بالسكري من النوع الأول، صعوبة في تأمين الإنسولين اللازم لعلاجه في قطاع غزة، عدا عن غياب الرعاية الصحية المطلوبة، نتيجة استمرار الحصار والحرب في القطاع.
وقالت والدة الطفل أمير لـ "الاستقلال" إن الحصول على قلم إنسولين واحد لابنها يتطلب منها قطع مسافات طويلة بين غزة وخان يونس، مضيفة أنها في النهاية لا تجد سوى دواء منتهي الصلاحية فضلًا عن بيعه بأسعار باهظة تصل إلى 80 و90 شيكلًا.
وأشارت إلى إدراكها أن إعطاء طفلها دواءً منتهي الصلاحية يحمل مخاطر صحية جسيمة قد تؤدي إلى الفشل الكلوي أو فقدان البصر، لكنها تجد نفسها أمام خيارين أحلاهما مر: ترك الطفل دون دواء ومواجهة احتمال غيبوبة السكر، أو حقنه بإنسولين منتهي الصلاحية لتخفيف آلامه المستمرة في أطرافه ورأسه وجسده.
وأكدت نِهاوند جحا على الأهمية الحيوية للإنسولين بالنسبة إلى مرضى السكري من النوع الأول، قائلة: "لا سمح الله، قد يفقد (أمير) بصره أو يصاب بالفشل الكلوي".
وأوضحت أن ابنها يشكو باستمرار من الألم بسبب عدم حصوله على العلاج اللازم، مشيرة إلى أنه كثيرًا ما يقول لها: "بطني ورأسي وذراعاي وساقاي تؤلمني".
وتابعت: "هذا ابني الوحيد، ولا أريد أن أفقده. إذا استمر الوضع على هذا النحو، فسأظل في كل لحظة معرضة لخطر فقدان ابني. فإما أن يفقد الطفل بصره، أو يصبح عاجزًا عن المشي، أو يصاب بالفشل الكلوي".
ودعت والدة الطفل أمير جحا إلى تقديم المساعدة لابنها ولكافة الأطفال المصابين بداء السكري، وإلى رفع الحصار والسماح بإدخال الأدوية التي يحتاج إليها المرضى في قطاع غزة.
وفي مستشفى الرنتيسي بمدينة غزة يتلقى الطفل المصاب بداء السكري زاد بركات العلاج، بعد معاناته من مضاعفات يُعتقد أنها مرتبطة باستخدام الإنسولين منتهي الصلاحية، فيما تكافح عائلته يوميًا لتأمين الدواء الذي يحتاج إليه من أجل الحفاظ على حياته.
وقالت منال بركات، والدة الطفل لـ "الاستقلال": "بسبب نقص الإنسولين وعدم إجراء الفحوصات الطبية الدورية، تضرر بصر ابني. فهو الآن لا يرى إلا بنسبة الربع بعينه اليمنى، وبنسبة النصف بعينه اليسرى. ماذا فعل طفل يبلغ من العمر سبع سنوات حتى يفقد بصره في هذا العمر المبكر؟ إنه بحاجة إلى الإنسولين، وأصبح الآن بحاجة أيضًا إلى نظارات جديدة كل ستة أشهر".
ووجهت الأم نداء لتوفير رعاية صحية أساسية وإنسولين صالح للاستخدام وشرائح فحص دم، للحد من مضاعفات قد تنهي حياة طفلها في أي لحظة.
مضاعفات خطيرة
بدوره، أوضح الدكتور شريف مطر، استشاري طب الأطفال في مستشفى الرنتيسي أنه على مدار الفترة الماضية، لم يُسمح بإدخال أي أقلام إنسولين إلى قطاع غزة. وحتى الأقلام التي سُمح بإدخالها سابقًا، فقد تعرضت للتلف بسبب سوء تخزينها في المعابر، لافتاُ إلى أن المنظمات الإنسانية تعمل للتنسيق لإدخال كميات كافية، لكن الجانب الإسرائيلي يمنع دخولها.
وبين مطر أن متابعة الطفل المصاب بالسكري لا تقتصر على توفير الإنسولين، بل تتطلب قياساً منتظماً لمستويات السكر، وتغذية مناسبة، ومتابعة طبية متخصصة، وتخزين الأدوية وفق درجات الحرارة المحددة من الشركة المصنعة، مشيراً إلى أن عدم توفر شرائط فحص السكر وأجهزة القياس يحرم الطفل وأسرته من المعلومات الضرورية لتحديد مستوى السكر ومتابعة الاستجابة للعلاج، ويجعل التعامل مع المرض أكثر صعوبة وخطورة.
وحذر بما يقوم به بعض المرضى الذين يُضطرون إلى إعادة استخدام إبر الحقن أو الاعتماد على الإنسولين منتهي الصلاحية، ما يعرضهم لخطر الإصابة بمضاعفات خطيرة نتيجة اضطراب مستويات السكر في الدم.
وأشار مطر إلى أن الإنسولين يعتبر علاجاً أساسياً لا يمكن الاستغناء عنه بالنسبة للأطفال المصابين بالسكري من النوع الأول، إذ يعجز البنكرياس لديهم عن إنتاج الكمية اللازمة من هذا الهرمون لتنظيم مستوى السكر في الدم.
ولفت إلى أن أبرز أعراض السكري لدى الأطفال هي العطش الشديد، وكثرة التبول، والجوع المتكرر، وفقدان الوزن غير المبرر، والتعب والإرهاق. أما القيء وألم البطن والتنفس السريع أو العميق واضطراب الوعي، فقد تكون مؤشرات تستدعي التوجه الفوري إلى الطوارئ.
وأضاف: عندما يتوقف الطفل المريض عن الحصول على الإنسولين أو لا يحصل على الجرعة المناسبة، قد يرتفع مستوى السكر بصورة خطيرة، وقد يدخل الجسم في حالة تُعرف باسم الحماض الكيتوني السكري، وهي حالة طبية طارئة تنتج عن نقص الإنسولين وتراكم الأحماض الكيتونية في الدم.
وتابع مطر: لا تقتصر المخاطر على الحالات الطارئة، إذ يؤدي استمرار عدم ضبط مستويات السكر إلى مضاعفات طويلة الأمد قد تشمل تلف الأعصاب والكلى والأوعية الدموية، ومشكلات في شبكية العين والبصر.
عجز عام
وتتجه المنظومة الصحية بقطاع غزة نحو انهيار كامل وشلل متسارع، وسط عجز دوائي عام قارب على 50%، ونقص المستهلكات الطبية عجزًا بنسبة 58%، وشح مواد الفحص المخبري بنسبة 85%، ما يهدد بتوقف شبه كامل لأهم الخدمات العلاجية والتشخيصية الحيوية.
وأفادت وزارة الصحة بغزة في تصريح لها، أن أكثر من 50% من الأدوية شارفت على النفاد في قطاع غزة، فيما بلغ العجز في مواد الفحص 76%، وتعطّل 55% من بروتوكولات علاج مرضى السرطان وأمراض السكر والدم.
وبحسب أحدث معطيات وزارة الصحة، فإنه لا يعمل سوى 19 مستشفى، منهم 4 مستشفيات حكومية تعمل بظروف استثنائية ومعقدة، من أصل 38 في عموم القطاع، بعد خروج 26 مستشفى عن الخدمة.


التعليقات : 0