غزة/ دعاء الحطاب:
لم تعد مخاوف اللاجئين الفلسطينيين في قطاع غزة تقتصر على تداعيات الحرب وما خلفته من فقدان للمنازل ومصادر الرزق، بل باتت تمتد إلى مستقبل الخدمات التي تقدمها وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا"، في ظل أزمتها المالية المتفاقمة والتوجهات الرامية إلى تقليص خدماتها، الأمر الذي يثير مخاوف واسعة بشأن انعكاسات ذلك على حياة مئات آلاف اللاجئين الذين يعتمدون عليها في تأمين احتياجاتهم الأساسية.
وتواجه وكالة "أونروا" اليوم أزمة مالية حادة وقيودا إسرائيلية تعرقل عملياتها، وتحول دون تواصل تقديم خدماتها الاغاثية والتعليمية والصحية وسط احتياجات متفاقمة وضغوط تهدد استمرارية عمله.
وكان المفوض العام للوكالة بالإنابة، كريستيان ساوندرز، أعلن أن الوكالة تواجه عجزًا في التدفقات النقدية يقدّر بنحو 100 مليون دولار خلال عام 2026، موضحًا أن إجراءات التقشف دفعتها إلى خفض ساعات تقديم الخدمات بنسبة 20%، إلى جانب تخفيضات مقابلة في رواتب معظم الموظفين المحليين، والذي انعكس بدوره على طبيعة الخدمات المقدمة.
وأكد أن الوكالة لن تتمكن من الحفاظ على خدماتها الأساسية دون الحصول على التمويل اللازم لضمان استمرار عملها في الأرض الفلسطينية المحتلة، مشدداً على أن قطاع غزة يواجه احتياجات إنسانية هائلة، في ظل نقص التمويل والقيود الاسرائيلية المفروضة على إدخال الإمدادات الأساسية، محذرًا من اتساع الفجوات في الاستجابة الإنسانية مع اقتراب فصل الشتاء.
وعلى مدار سنوات الحرب الثلاث، عاش اللاجئون في غزة على وقع تراجع متواصل في مستويات الخدمات الإغاثية والصحية والتعليمية التي تقدمها الوكالة، في وقت تضاعفت فيه احتياجاتهم الإنسانية، وأصبحت فيه المساعدات والرعاية الصحية والتعليم أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى، ما يجعل أي تقليص إضافي عبئا جديدًا على أسر أنهكتها ظروف النزوح والفقر وفقدان مصادر الدخل.
مساعدات تقلصت وأعباء تتضاعف
تعيش المواطنة أم نور سالم (45 عاما) وهي أم لسبعة أطفال، مخاوف متزايدة من تداعيات تقليص خدمات وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا"، في ظل اعتماد أسرتها على ما تقدمه الوكالة من مساعدات، لم تعد كما كانت عليه قبل الحرب.
وتستعيد سالم خلال حديثها لـ"الاستقلال" طبيعة المساعدات الغذائية التي كانت تحصل عليها أسرتها قبل الحرب، موضحة أن الوكالة كانت توزع كل ثلاثة أشهر "كابونة" تضم أصنافاً متنوعة من المواد الأساسية، من بينها "الطحين والأرز والعدس والسكر والسيرج والحمص"، وكانت تكفي الأسرة لفترة طويلة وتخفف عنها عبء توفير هذه الاحتياجات.
لكن هذه المساعدات، بحسب سالم، تقلصت بشكل كبير خلال سنوات الحرب، لتقتصر على أصناف محدودة، مثل كيس من الطحين وبعض البسكويت والمعلبات، بعدما كانت توفر سلة غذائية أكثر تنوعًا، إلى جانب مساعدات نقدية كانت تُقدم لكبار السن وأطفال سوء التغذية، فضلًا عن توفير بعض الملابس والأغطية والشوادر، التي شكلت سندًا للأسر في مواجهة الظروف المعيشية الصعبة.
وتقول إن اللاجئين أمضوا سنوات الحرب في ظل تراجع متواصل لخدمات الأونروا الإغاثية والتعليمية والصحية، مضيفة: "كنا نقول الحمد لله على ما يصلنا، لكن اليوم يتحدثون عن تقليص الخدمات بشكل أكبر، وهذا يعني أن معاناتنا ستتضاعف".
وأكدت أن أي تقليص إضافي أو توقف لخدمات الوكالة سيجعل الأسر عاجزة عن توفير احتياجاتها الأساسية، سواء الغذاء أو العلاج أو تعليم أبنائها، مشددة أنه لا توجد مؤسسة قادرة على تعويض اللاجئين عن غياب الأونروا.
وجددت سالم التأكيد على أن الوكالة لا تمثل بالنسبة للاجئين مجرد مؤسسة إغاثية، بل ترتبط بقضيتهم وحقوقهم، وترى أن تقويض دورها يثير مخاوف تتجاوز فقدان الخدمات إلى مستقبل قضية اللاجئين نفسها.
فقدان الرعاية الصحية
أما أبو أشرف طه (60 عامًا)، المصاب بمرضي الضغط والسكري، فيعتمد منذ نحو عشرة أعوام على عيادات وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا" للحصول على العلاج والمتابعة الطبية الدورية، وهي خدمات لم تنقطع عنه إلا خلال فترات محددة من سنوات الحرب على غزة، بفعل النقص الحاد وانقطاع الأدوية والمستلزمات الطبية، في ظل القيود المفروضة على إدخالها إلى القطاع.
ويقول طه خلال حديثه لـ "الاستقلال":" إن انقطاع الرعاية الصحية الدورية وتوفر الأدوية بصورة غير منتظمة انعكس بشكل سلبي على حالته الصحية"، موضحاً أن مستوى السكر التراكمي لديه ارتفع، فيما أصبح ضغط الدم غير منتظم، وبدأ يعاني من اضطرابات في ضربات القلب ونوبات من الدوار.
ويضيف بقلق:" أن أي تخفيضات إضافية في خدمات الوكالة ستضاعف معاناة المرضى، وتجعلهم عاجزين عن تأمين أدويتهم، خاصة في ظل ارتفاع أسعارها وعدم توفر الكثير منها في القطاع.
ويرى طه، أن الانتقال إلى العيادات الخاصة لا يمثل بديلاً ممكناً بالنسبة له ولغيره من المرضى، في ظل التكاليف الباهظة للكشفيات والفحوصات والأدوية، وتراجع القدرة المالية للأسر بعد سنوات الحرب.
ويعرب طه عن مخاوفه من أن يجد نفسه، في حال تقليص خدمات الوكالة، أمام خيارين كلاهما مرّ، إما تحمل تكاليف العلاج الباهظة التي تفوق قدرته المالية، أو مواجهة تدهور حالته الصحية دون متابعة طبية منتظمة، مؤكدًا أن مرضى الأمراض المزمنة لا يستطيعون الاستغناء عن أدويتهم أو تأجيل علاجهم، ولو لفترات قصيرة.
ولا تقتصر مخاوف طه على التداعيات الصحية والمعيشية، بل تمتد إلى مستقبل قضية اللاجئين وحقوقهم، معتبرًا أن الحفاظ على الأونروا يتجاوز استمرار خدماتها إلى صون دورها المرتبط بقضية اللاجئين الفلسطينيين، مطالباً دول العالم بمواصلة دعمها وعدم التخلي عنها.
لتهديد لحقوق اللاجئين
وقالت الهيئة 302 للدفاع عن حقوق اللاجئين، إن استهداف وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “أونروا” وتقويض ولايتها ومواردها يهددان حقوق اللاجئين ومستقبلهم، إلى جانب أمنهم الإنساني والمعيشي، مؤكدة أن حماية الوكالة وضمان استمرار عملها مسؤولية دولية تتجاوز تقديم المساعدات.
وأكدت الهيئة، في بيان لها، إن قضية اللاجئين الفلسطينيين لا تزال اختبارا لمسؤولية المجتمع الدولي تجاه شعب تعرّض للاقتلاع والتهجير، ولا تزال حقوقه، وفي مقدمتها العودة، تنتظر العدالة والإنصاف وفق القرارات الدولية ذات الصلة.
وشدّدت أن أهمية "أونروا" لا تقتصر على توفير التعليم والرعاية الصحية والخدمات الإغاثية والاجتماعية لملايين اللاجئين، بل تشمل كونها تعبيرا عن استمرار المسؤولية السياسية والقانونية الدولية تجاه قضيتهم.
وحذّرت الهيئة من المساس بموارد الوكالة، ولا سيما البشرية، وانتقدت اتخاذ قرارات بتسريح موظفين ووصفتها بـ”التعسفية”، معتبرة أن إضعاف “أونروا” ينعكس مباشرة على حياة اللاجئين، ويهدد بتغييب أحد الشواهد الأممية الأساسية على استمرار قضيتهم.
وأكدت أن ضمان التمويل اللازم لاستمرار الوكالة ليس مجرد التزام إنساني، بل ضرورة لحماية كرامة اللاجئين وصون حقوقهم ومنع تراجع قضيتهم أو تغييبها عن الأجندة الدولية، داعية إلى توفير دعم سياسي ومعنوي ومالي مستدام للأونروا، وتمكينها من أداء مهامها وفق ولايتها الأممية، مطالبة المجتمع الدولي بتحمل مسؤولياته القانونية والسياسية والإنسانية، وعدم التعامل مع معاناة اللاجئين باعتبارها قضية إغاثية منفصلة عن جذورها السياسية والحقوقية.
تقويض خدمات الأونروا.. مخاوف اللاجئين تتجاوز المساعدات إلى مقومات الحياة
تقارير وحوارات


التعليقات : 0