غزة/ دعاء الحطاب
" بردائها الأبيض، وخفة حركتها، وجراءة قلبها"، هبت مسرعةً صوب "مخيم العودة" شرق مدينة خانيونس، تزاحم صفوف المتظاهرين لتنقل المصابين وتنقذ حياة الغارقين بدمائهم بعدما باغتتهم رصاصات الحقد الصهيونية، خاصة ممن اصيبوا قرب السياج الفاصل وتعذر على سيارات الإسعاف الوصول إليهم، فتضمد جرح هذا وتفتح مجرى التنفس لغيره، متحديةً زخات الرصاص المتطايرة من بنادق جنود الاحتلال الإسرائيلي المحصنين خلف التلال الرملية.
فعلى مدار أكثر من ستين يوماً من عمر مسيرات العودة الكبرى، لم تتوان المسعفة المتطوعة رزان النجار عن تأدية رسالتها الإنسانية وتلبية واجبها الوطني، فانضمت إلى الطواقم الطبية، وباشرت بإنقاذ المصابين من نقطة الصفر، لتثبت للعالم أجمع أنها صاحبة رسالة إنسانية وأنها مُسعفةً لأرواح أبناء وطنها.
لكن رسالة « رزان» الإنسانية و رداءها الأبيض، لم يشفعا لها أمام وحشية احتلال اغتصب أرضها وقتل شعبها، فقد أنهى حياتها بثلاث رصاصاتٍ غادرة اخترقت صدرها وأسقطتها شهيدةً، بعدما صُبغ زيها الطبي بدمائها، وهو الذي لطالما امتزج بدماء من أسعفتهم وأنقذت حياتهم.
صدمة الاستشهاد
يوم الجمعة الماضي، كانت "رزان" تمارس مهمتها بشجاعة كالمعتاد، فتقدمت برفقة زملائها نحو السياج الفاصل لإنقاذ حياة مُصاب ملقى على الأرض، وهم يرتدون زيهم الطبي ويرفعون أيديهم، تأكيداً على عدم تشكيلهم أي خطر على الجنود المدججين بالسلاح، وبمجرد وصولهم أطلق جنود الاحتلال الرصاص الحي عليهم بشكلٍ مباشر، لترتقي "رزان" شهيدة.
لحظاتٍ من الصمت عمت الأرجاء، ثم صرخ كل شيء فجأة ينادي"أنقذوا رزان"، لكنهم جميعاً لم يتمكنوا من انقاذها فقد ارتقت شهيدةً على الفور، فلم يتمالك زملاؤها أنفسهم من الصدمة وهول المشهد، ففقد بعضهم الوعي ونقلوا لتلقي العلاج، بينما أخرون أخذو يرون ما حدث بدون وعي.
وتروي إحدى زميلات الشهيدة تفاصيل الحدث، عبر مقطع فيديو ظهر على مواقع التواصل الاجتماعي: " كان في مصابين عند السلك، رحنا مع رزان عشان ننقذهم، رفعنا ادينا عشان نأخذ الاذن من الجنود لإنقاذهم، لكن لما وصلنا صاروا يرموا علينا رصاص حي وقنابل غاز، أصيب زميلنا ونقلوه على المستشفى، وحاولنا الرجوع لكن رزان رفضت ".
وتتابع والدموع تملأ عينها:" كانت واقفه جنبي بشد فيها بدي أطلعها، قلت لها: "تعالي عن السلك لأنه اليهود يطلقون رصاص مباشر"، فأشارت بأيدها على ظهرها، اطلعت عليها كانت تنزف دم ووقعت على الأرض".
ويقول زميل الشهيدة، بذات المقطع :" قلت لها يا رزان تعالي ارجعي عن السلك الوضع خطير، قالت: " ايش خايف من الموت؟ هيا موتة، خلينا نطلع الشب المصاب بلاش يموت، احنا قدها".
ألم الفراق
نيل " رزان" شرف الشهادة التي طالما تمنتها لم يُنس والدها ألم فراقها، فكيف ينسي وهي أول ما نادته " بابا"، ولقبها بـ" وردة البيت" وكانت الأقرب إليه، فقلب الأب مهما كان وطنياً فهو لا يقول أهلا بالفراق.
وبقلبٍ يكتوي بالحسرة، يقول الوالد:" كنت بخاف على رزان من مشاركتها في الإسعاف التطوعي لمخيم العودة، لكنها أصرت على أن تخدم شعبها وقالت لي " هذا طريقي يابا وأنا بدي أكمل فيه"، ما قدرت أمنعها ولا أمنع خوفي عليها".
وأضاف بألم:" زاد خوفي على رزان بيوم الرابع عشر من أيار بـ"مليونيه العودة"، لأن الاحتلال كان يطلق رصاصه على الجميع بدون استثناء، فقد استشهد من قبل "ياسر مرتجى" وهو يرتدي ملابس الصحافة، وها هو استهدف ابنتي وهي ترتدي ملابس الإسعاف"، مستدركاً :" رزان ضحت بحياتها، عشان تنقذ حياة أبناء شعبها".
وأوضح أن نجلته كانت تملك هاتفاً وخاتماً، ومنذ انطلاق مسيرة العودة باعت ما تملكه حتى تشتري مستلزمات الاسعاف الأولي وتحملها معها خلال عملها في اسعاف الجرحى.
" لأنها وردة قتلوها"
أما الأم المكلومة فقد ظهرت بمقطع فيديو، تحتضن رداء " ملاك الرحمة" الملطخ بالدماء، تشمه تارةً وتضمه لصدرها تارة أخرى لعله يساند صبرها ويقوي عزيمتها، ليبقى الصمت والبكاء بالقلب أشد وجعاً على رحيل وردتها الباسمة.
وتقول الوالدة وهي تؤرجح رأسها يميناً ويساراً:" رزان معروفة للكل، رزان لأنها وردة قتلوها، رزان ملاك الرحمة، بطلت الميدان، المسعفة الاولى بمسيرات العودة، كانت صابرة مجاهدة ما في اشي برعبها".
وأضافت بألم يحرق قلبها:" كانت فراشه بداوي كل مجروح واليوم الحمد الله نالت الشهادة، من أول يوم بالمخيمات وهي مداومة من الساعة 7 الصبح لحتي الساعة 10 بالليل، كانت تروح يومياً أواعيها دم، كنت أقول إلها حرام عليكي تعملي هيك بحالك، كانت ترد "لا يماما هاد دم الشهداء أطهر من كل الناس".
وأنهت حديثها:" الحمد الله بنتي رفعت راس العالم كله، بس يا خسارة على العالم المتخاذلين، حسبنا الله ونعم الوكيل على الخون الذين أعطوا اليهود فرصة يعملوا فينا هيك، سكوتكم اللي ضيعنا ودمرنا"، متسائلة: " شو عملت رزان ليقتلوها، هيا كانت مقصودة اليوم، قتلها مش عشوائي، انا بدي حقها لبنتي ".
نظرة الوداع
بين أزقة بلدة خانيونس وعلى بعد عشرات الأمتار من قناصة الاحتلال الإسرائيلي، الذين اغتالوا الشهيدة رزان، توشحت السماء بالسواد والحداد، وتعالت الزغاريد، ورفعت أعلام فلسطين، وامتلأ المكان باللون الأبيض الذي ارتدته " ملاك الرحمة"، لبدء مراسم التشييع وإلقاء نظرة الوداع عليها.
وانطلق موكب التشييع للمسعفة بعدما لف جثمانها بالعلم الفلسطيني ووضع فوقه رداؤها الأبيض الملطخ بالدماء، تتقدمه سيارات الإسعاف والطواقم الطبيبة من المستشفى الأوروبي إلى منزلها في بلدة خزاعة شرق المدينة، حيث كان الآلاف بانتظارها.
وبدت علامات الحزن مرتسمة على وجوه مودعي الشهيدة خاصة زملاءها، بينما كانت والدتها المكلومة بالكاد تسند نفسها حتى طبعت على جبينها قبلة الوداع، ولسانها يردد" لأنك ورده قتلوكِ يما، رزان اليوم عرسك يا حبيبتي"، ومن ثم انطلق الموكب باتجاه مقبرة الشهداء ليوارى جثمانها الطاهر الثرى، وسط هتافات المسعفين " بالروح بالدم نفديك يا رزان"،" الانتقام الانتقام".
وقال رئيس الهيئة العليا لمسيرات العودة خالد البطش في كلمة له أثناء التشييع ، أن المنظومة الدولية أمام اختبار بعد اغتيال المسعفة رزان، مؤكداً أن دماءها شاهد على عنجهية الاحتلال و بطشة بحق الفلسطيني، مشدداً على استمرار مسيرات العودة و كسر الحصار بأدواتها السلمية.


التعليقات : 0