غزة / محمد مهدي
لم يخالط ألم الإصابة كبرياء السعادة المرتسم جليا على وجه الشهيد محمد نعيم حمادة (30 عاما) خلال التقاطه صوره الأخيرة برفقة طفلته وأميرته الصغيرة الوحيدة ريتاج في عيد ميلادها السادس والأخير الذي تتشارك فيه الضحكات واطفاء الشموع مع والدها محمد .
لم تدرِك الطفلة ريتاج أن القبلة التي طبعتها على وجنتي والدها الذي انتقل إلى الله شهيداً ستكون الأخيرة، وأنه لن يحتضنها ويلعب ويضحك معها ويأخذ معها صور للذكرى مرة أخرى ، فلن تنسى الطفلة الصغيرة هذا المشهد مطلقا فوالدها اصبح من أقمار مسيرة العودة الكبرى.
كيك و شمع، وقبلة، وضحكة ترسم على محيّا الأب الجريح، وابنته، وصور للذكرى هذا كان ملخص مشهد لقاء الوداع.
وكان حمادة قد ارتقى إلى العلا شهيدا في الثالث من حزيران الجاري متأثرا بإصابته بعيار ناري متفجر في كلتا القدمين خلال أحداث مليونية العودة في الرابع عشر من مايو المنصرم ، بعد أن انتشرت في وسائل التواصل الاجتماعي صور عيد الميلاد الأخير الذي أقامه الشهيد محمد حمادة لنجلته ريتاج من على سرير العلاج في مجمع الشفاء الطبي .
حلم يتحقق
وبكلمات سكنت بين حروفها أنات الوجع الجديد وعيون تسلحت بكل عزم لتحارب سيل الدموع الذي انهمر على وجنتيها تقول والدة الشهيد محمد :" الحمد لله الذي أكرم ابني بتحقيق ما تمناه ، والله محمد كان يتمناها ونالها وراح لآخوه ولأصحابه اللي سبقوه ، وربنا يجمعني فيهم في الجنة ويتقبل شهادتهم " .
وتوضح أم علاء أن زوجة محمد طلبت منها التدخل ومنع محمد من الذهاب إلى مسيرة العودة ؛ خوفا عليه من أي مكروه ، مضيفة :" فاتحت محمد بالموضوع وطلبت منه ما يروح ع الحدود فكان يغمزني بعينيه ويبتسم ويقولي والله لتكوني راضية عني ويمرر الأمر بدعابة كعادته ".
وتؤكد الأم المكلومة بفقدان نجلها محمد بعد أن فقدت ابنها عماد قبل عدة سنوات شهيدا للمرض أن ثمن الحرية يكون باهظا ويجب على الاحرار سداده بدمائهم ، مضيفة :" محمد كان يتمنى الشهادة ويهيء العيلة ليوم استشهاده وبعد استشهاد العديد من أصدقائه ازداد تعلقه بحلم الشهادة وكان يقول لي صحابي سبقوني ".
تفاصيل العيد الأخير
وتحدث بهاء شقيق الشهيد محمد ومرافقه الدائم في رحلته العلاجية في المشفى عن تفاصيل عيد الميلاد الأخير الذي نظمه محمد لنجلته الوحيدة ريتاج على سرير المرض ، قائلا :" اعتاد محمد في كل عام أن ينظم لريتاج عيد ميلاد كبير ويدعو الأقارب له كونها ابنته الوحيدة ويحاول أن يعوضها دائما عن غياب الأخ ويوليها دلالاً وحباً كبيراً ، وهذا العام جاء موعد عيد الميلاد في 20 مايو بعد اصابته باسبوع وهو ما يزال في المستشفى ".
ويواصل :" لم تفارق ريتاج تفكير محمد حتى وهو في قمة الألم فطلب مني أن أحضر جاتوه ومستلزمات عيد الميلاد وأن احضر ريتاج والأهل إلى المستشفى ليحتفلوا سويا بعيد ميلاد ريتاج وكي لا تحرم من فرحتها بعيد ميلادها " .
ويوضح بهاء أن محمد تعمد اخفاء ألمه بالكامل عن أعين ريتاج والأهل وأن يظهر مبتسما كما في الصور كي لا تنغص آلامه على فرحة أميرته ريتاج .
ما قبل الشهادة
وبين بهاء أن محمد مر برحلة علاجية غاية في السوء بدأت بتأخر إجراء اول تدخل جراحي بعد اصابته في الصباح إلى الساعة الواحدة من منتصف الليل واستمرت لمدة ساعتين ، ليتفاجأ المرافقون لمحمد باعتذار أقسام مستشفى الشفاء عن استقباله لعدم وجود مكان شاغر ، مضيفا :" بقي محمد لمدة ساعة بعد العملية في الممر وبعد التواصل مع الإدارة تم تحويله لقسم جراحة القلب ومكث فيه ما يزيد عن اسبوع ومن ثم تم تحويله إلى الطابق الرابع ".
ويعقب :" منذ اصابة محمد ولمدة عشرة أيام كان النزيف مستمراً وكان سرير محمد يمتلئ بالدماء ورائحة الدماء تعبق بالغرفة بشكل كبير ، وحين نخبر الأطباء يكون ردهم ان هذا شئ طبيعي ، وبعد عشرة أيام تم إجراء عملية تجميل خف على اثرها النزيف لكنه لم يتوقف ".
ويواصل بهاء الحديث :" طلبنا عدة مرات تحويل محمد إلى الخارج ولكن الرفض كان الجواب الوحيد وبعد فترة من تدهور حالة محمد الصحية أخبرنا الأطباء أنهم طلبوا من الوفد الأردني تحويل محمد للخارج ولكن الكشوفات كانت قد اكتملت وتم تحويل العدد المطلوب ".
ويتابع :" كانت الصدمة الأكبر حين كتب أحد الأطباء ورقة خروج لمحمد من المشفى وقال إنه أتم العلاج على أن نعود به صبيحة اليوم التالي للعيادات الخارجية ، ولكنني رفضت كون الوقت حينها كان متأخراً ويطلب منا العودة في اليوم التالي وحالة محمد غير مطمئنة بالإضافة لتحميلنا نفقة نقله بالاسعاف ".
ويضيف : «حين عرض محمد في اليوم التالي على العيادة الخارجية أكد أنه لا يمكن السماح لمحمد بالخروج ويجب ان يبقى تحت متابعة المشفى ، كل هذا التخبط كان في التعامل مع مصاب ضحى بدمه من أجل رفعة الوطن فكيف يكون في الأحوال العادية ؟».


التعليقات : 0