وحيد والديه بعد 9 أخوات

الطفل أبو النجا.. رصاصة حاقدة تنهي فرحة 12 عاماً

الطفل أبو النجا.. رصاصة حاقدة تنهي فرحة 12 عاماً
محليات

غزة/ دعاء الحطاب

زين البيت بقدومه وأدخل الفرحة والأمل إلى قلب والديه بعد تسع أخوات، لتعلق عليه آمال كثيرة، وتزداد سعادتهما به وهو يكبر يوماً بعد يوم أمام أعينهما، دون أن يعلما بأن رصاصة حاقدة ستضع حداً لحياته قبل أن يكمل عامه الثاني عشر.

 

خرج الطفل ياسر أبو النجا من منزله واتجه إلى مخيم العودة شرق مدينة خانيونس ليشاهد مسيرة العودة، وقف بعيداً لكن ذلك القناص اختاره دون غيره، فسدد نحوه رصاصة حاقدة فجرت رأسه الذي لم يكن فيه سوى حلم وردي بالعودة إلى دياره المحتلة، وفي ذات اللحظة شعرت الأم بانقباض قلبها، فروح ابنها الطاهرة صعدت إلى السماء.

 

مرت الساعات والأم ذات القلب المقبوض متوترة، وابنها الشهيد يبحث عن أحد يتعرف عليه في المستشفى، حتى جاءها الخبر كالصاعقة، لم تصدق ما سمعته، لكنها تمالكت نفسها، وصبرت واحتسبت ابنها شهيداً، لعله يكون شفيعاً لهم يوم القيامة.

 

مجهول الهوية

 

هناك في مخيم العودة وعلى بعد أمتار من السياج الأمني الفاصل شرق خانيونس،  كان الطفل " ياسر" غارقاً بدمائه بعد أن شج رأسه وسقطت أجزاء منه بجواره، بفعل قناصة الاحتلال التي اصابته بشكل مباشر في الرأس ولم يتمكن المحيطون به من التعرف إليه، واجتاح خبر استشهاده مواقع التواصل الاجتماعي بأنه " شهيد مجهول الهوية". 

 

مضت اللحظات سريعة وامتلأت المواقع بصوره، حتى شاهدتها والدته على تطبيق " انستغرام "، لتصرخ بأن ذلك الطفل ابنها الوحيد "ياسر" وتقع مغشياً عليها، وبعد لحظات استفاقت لتغرق بالبكاء فلم تتخيل هذا المشهد بحق طفلها. 

 

حُرقة القلب

 

وظهرت الأم الحزينة بمقطع فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي، تروي حُرقة قلبها بصوت يضعف تارةٍ ويقوى تارةٍ أخرى، ليبقى الحزن بالقلب أشد وجعاً على رحيل وحيدها الذي طالما حلمت بقدومه.

 

وتقول والدة الشهيد:" ابني كان مداوم على خط العودة، كان كل جمعة بروح يتفرج على المسيرات ويشارك زي أي طفل أو شب يتمنوا العودة إلى أرضهم، ولكن بلحظة فقدته، فقدت أغلى ما أملك فلذة كبدي".

 

وتتابع بحرقة:" ياسر بكري وابني الوحيد أجا على  9 بنات من أبوه، بعد 18 سنة الله رزقنا فيه بالأخر أجا صهيوني حقير ينتهك جميع الحقوق الإنسانية ويقتله بهذه الوحشية، راس ابني متفجر، شو ذنبه ينقتل هيك؟ شو عمل طفل أعزل على الحدود ما كان حامل مدفع ولا رشاش، حرقوا قلبي لما شوفت ابني بهذا الشكل".

 

وأردفت والدموع تملأ وجنتيها:" لو اللي صار في ابني صار بأي طفل في العالم بتقوم الدنيا، أما أطفال غزة ولا كأنهم قتلوا، وين العالم يشوف كيف أطفالنا مضطهدة حقوقهم، ياسر شو عمل لصهيوني حاقد يفجر رأسه في رصاص محرم دولياً".

 

"قالوا لي الشباب كان ينطق بالشهادة "، بهذه الكلمات انتهى حديث الوالدة لكن ألمها وحرقة قلبها لن تنتهي، ففي كل لحظة تذكره بها ستكون مولداً لجرح جديد لا يُشفي.

 

الكلمات الأخيرة

 

قلب الأب الذي فُطر على حب ابنه لم يستطع الوقوف بعيداً عن جثمانه الطاهر، فجلس بجواره يتحسس جسده البارد، ويهمس بأذنه بكلماتٍ يقولها له للمرة الأخيرة، قبل أن يوارى الثرى:" والله إنك بطل يابا، صغير في السن صحيح لكن أفعالك أفعال كبار"، "والله يابا رفعت راسي، رفعت اسم عيلتك بشجاعتك وإخلاصك، الله يرحمك يابا، اوعى تنساني، ما تنسى أمك وأخواتك واللي اعتكفوا معك بالمسجد، اوعى تنساهم يابا".

 

ورغم هول الموقف، وحرص الأب على التماسك، فهو الذي طبع قبلة الوداع على جبين طفله الشهيد، مردداً " انت غالي كتير وبحبك كتير يابا، لكن ربنا خلقك وهو أرحم فيك مني، الله يسهل عليك يابا، الله يرضى عليك".

 

دماؤه لن تذهب هدراً

 

وأكدت حركتا حماس والجهاد الاسلامي أن دماء الشهيد الطفل ياسر أبو النجا الذي استشهد يوم الجمعة الماضي برصاص قناص "اسرائيلي" شرق خانيونس لن تذهب هدراً.

 

وقال داود شهاب، مسؤول المكتب الاعلامي لحركة الجهاد الاسلامي إن صورة الطفل الشهيد  شاهد على إرهاب المحتل الغاصب، مؤكداً أن دماءه  الزكية لعنة ستلاحق كل المتخاذلين وكل أدعياء حقوق الانسان الذين يصمتون أمام هذا الارهاب وأمام آلة القتل التي يديرها الارهابي نتنياهو وحكومته المجرمة.

 

وبدوره قال الناطق باسم حركة حماس حازم  قاسم، إن قتل طفل يبلغ من العمر 13 عاماً على يد جنود الاحتلال يوجب التقدم بشكوى لمحكمة لاهاي ضد جرائم "اسرائيل".

 

وأضاف: "إن تعمد الاحتلال قتل الأطفال المتظاهرين في مسيرات العودة وكسر الحصار السلمية ، يؤكد ضرورة محاكمة قادة الاحتلال كمجرمي حرب أمام المحاكم الدولية".

 

الوداع الأخير

 

لحظات صعبة ومشاهد تقشعر لها الأبدان، فبمجرد دخول جثمان الشهيد ياسر أبو النجا منزل العائلة بخانيونس، لإلقاء نظرة الوداع الأخيرة عليه، هرع كل الأهل والأحبة لرؤية ذاك الوجه البريء، وطبع قبلة أخيرة على جبينه، باستثناء والدته وشقيقاته اللواتي وقفن يتأملنه، قبل أن يفسح لهن الطريق للوصول للجثمان.

 

وما هي الا دقائق ٌسريعة حتي خرج الشهيد من منزله محمولاً على الأكتاف وتبعه صرخات الأحبة، وجلست الأم والشقيقات جانباً حزينات  دون إخفاء مشاعر الفخر التي انتابتهن بعد أن منحهن ياسر لقب أم وأخت الشهيد.

 

وانطلق موكب التشييع بمشاركة عشرات الآلاف من المواطنين من مستشفى الأوربي إلى منزل العائلة بخانيونس، لإلقاء نظره الوداع الأخير عليه، قبل مواراة جثمانه الثرى بمقبرة الشهداء.

 

التعليقات : 0

إضافة تعليق