غزة/ قاسم الأغا
لم تشفع لهما براءة الطفولة أمام "إسرائيل"، التي لطالما اعتاشت على إزهاق أرواح الفلسطينيين وسفك دمائهم؛ لتمثل بذلك راعياً حصرياً لـ"الإرهاب"، الذي لا مثيل له.
"أمير النمرة" و"لؤي كحيل"، طفلان، من بين اثني مليون فلسطيني، يعيشون في قطاع غزة المحاصر من قبل الاحتلال، منذ (12) عاماً، لا متنفس لهم سوى شاطئ البحر، وبعض مما يُقال عنه حدائق ومتنزّهات.
عصر السبت الماضي، اتّجه الطفلان نحو متنزّه "الكتيبة" وسط مدينة غزة، لم تكن الأوضاع الميدانية "مستقرة"، فمنذ صباح اليوم ذاته لم تتوقف طائرات الاحتلال الحربية عن قصف أهداف وأراض زراعية في مناطق متفرقة من القطاع، دون سابق إنذار.
وصل "أمير" و"لؤي" المتنزّه المقصود، حيث حركة للسيارات والمارّة، وعشرات العائلات تفترش الأرض، الأجواء كانت معتدلة، وشمس باردة، تقترب شيئاً فشيئاً نحو الغروب.
يبدو أن هدوء المكان دفع الطفلين لاعتلاء مبنىّ (غير مأهول) يطلّ على المتنزّه، ربما كان الهدف الوصول إلى القمّة، والتقاط صورة "سيلفي" لهما، عبر الهاتف المحمول، يوثقان من خلالها سويعات من "فرح"، ثم يعودان لاستذكارها، إذا ما حدّثا بها الوالدين والأصدقاء.
لم يجل في خاطر "أمير" و"لؤي" أنهما لن يعودا ليتحدّثا عما وثّقاه من صور، وعن تفاصيل ذلك اليوم، الذي حوّلته طائرات الاحتلال الحربية بـصواريخها إلى "ذكرى" امتزجت بسحابة سوداء كثيفة، تصاعدت من مكان المبنى اللذين كانا يعتليانه.
شظايا الصواريخ أصابت الجسدين النحيلين بشكل مباشر، هرع بعض المارّة إلى المبنى، بعضهم يحاول طمأنة الطفلين أنهما سيبقيان على قيد الحياة، إلى حين وصول سيارة الإسعاف، لكن "الشهادة" كانت لهما أقرب، من مجمّع الشفاء الطبيّ، الذي لا يبعد سوى بضعة دقائق، من المكان المستهدف.
وفي وقت لاحق، أعلن أشرف القدرة المتحدث باسم وزارة الصحة في قطاع غزة رسمياً عن استشهادهما (مساء السبت)، وقال: "إن الطفلَيْن أمير النَمرة (15عامًا)، ولؤي كحيل (16عامًا)؛ استُشهدا باستهداف طائرات الاحتلال الحربية (بـ 5 صواريخ على الأقل) مبنى بمنطقة الكتيبة بمدينة غزة". وظهر أمس الأحد، شيعّت جماهير غفيرة جثماني الشهيدين الطفلين، وسط صيحات من الغضب والتنديد بجرائم الاحتلال ضد شعبنا الفلسطيني، وخصوصاً قتله الأطفال بدم بارد.
وانطلقت مسيرة التشييع من مشفى "الشفاء" الطبيّ وسط غزة، وجابت شوارع المدينة، وصولا إلى منزليّ ذوي الشهدين بـ "حيّ الصبرة"، والصلاة على الجثمانين في مسجد الشهيد عبد الله عزام المجاور، ثم إلى مقبرة الشهداء لمواراتهما الثرى.
"أبو أحمد"، أحد أفراد عائلة الشهيد الطفل "النمرة"، تساءل: "ما هو الذنب الذي اقترفه الطفلان، اللذان يقضيان جلّ أوقاتهما معاً ليكونا بنكاً لأهداف الاحتلال وصواريخه الغادرة".
وأضاف لـ"الاستقلال" وهو يتمتم: "الحمد لله، لا اعتراض على قدر الله (..) هذه هي "إسرائيل"، التي تقتل وتدمر، دون أن تلقي بالا لأحد"، منددًا بصمت المجتمع الدولي، الذي لا يحرّك ساكنًا أمام كل الجرائم التي ترتكبها.
وبارتقاء الطفلين "النمرة" و"كحيل"، يرتفع عدد الأطفال الشهداء في قطاع غزة، الذين قضوا على يد الاحتلال، لا سيّما منذ بدء مسيرات "العودة" بـ30 مارس/ آذار الماضي إلى (18) طفلا (من أصل 139 شهيداً)، فضلا عن إصابة المئات،
وعلى الرغم إعلان فصائل المقاومة بالقطاع، أمس الأول، عن التوصل إلى تهدئة بوساطة مصرية ودولية لوقف التصعيد الإسرائيلي؛ عادت طائرات الاحتلال أمس لاستهداف مجموعة من المواطنين وسط وشمال القطاع (قرب الحدود الشرقية)؛ بزعم إطلاق الطائرات الورقية والبالونات الحارقة تجاه مواقع ومستوطنات الاحتلال بـ"غلاف غزة"، مسفراً هذا الاستهداف عن إصابة مواطنين شرقي بلدة بيت حانون.


التعليقات : 0