المصالحة بين سندان الإقصاء ومطرقة التقاسم الوظيفي... تيسير الغوطي

المصالحة بين سندان الإقصاء ومطرقة التقاسم الوظيفي... تيسير الغوطي
أقلام وآراء

تيسير الغوطي

كثر الحديث في الآونة الأخير عن جهود من هنا وهناك لإعادة الحوار بين طرفي الانقسام البغيض  في فلسطين للسير نحو المصالحة الوطنية، وإخراج المجتمع الفلسطيني من الأزمات التي تتراكم عليه وحوله، ومما لا شك فيه ان تحقيق المصالحة يحمل الخير الكثير للمجتمع الفلسطيني وللمواطن الفلسطيني وللقضية الفلسطينية، لكن من المشكوك فيه أن تفضي الجولة الحالية عن مصالحة حقيقية بين طرفي الانقسام الفلسطيني ، وألا تكون نهايتها كنهاية سابقاتها من الجولات المكوكية والمارثونية وذات النتيجة الصفرية.

 

 لن تختلف الجولة الحالية عما سبقتها من جولات، لأنها وكسابقاتها سوف تطحن بين مطرقة الإقصاء التي تفوح رائحته من رؤيا وتصريحات أحد الطرفين، وسندان التقاسم الوظيفي الذي تفوح رائحتهما من رؤيا وتصريحات الطرف الثاني، هذا الإقصاء وذاك التقاسم الوظيفي اللذان ما زالت رائحتها تزكم الأنوف منذ بدأ الحديث عن مصالحة فلسطينية قبل أكثر من أحد عشر عاماً. فبعد أن استبشر الفلسطينيون خيراً بالأنباء الأخيرة عن جهود مصرية جديدة وورقة مصرية قدمت للطرفين، وصدور موافقة حمساوية عليها والجميع بانتظار رد الطرف الثاني (السلطة الفلسطينية)، جاءت تصريحات عضو اللجنة المركزية لحركة فتح محمد اشتيه خلال حديثه ضمن برنامج ملف اليوم عبر شاشة تلفزيون فلسطين الأحد 22/7/2018، لتعيد الآمال والتوقعات إلى المربع الأول وصورته التشاؤمية ، فقد قال السيد محمد اشتية في تلك التصريحات إن « هناك ورقة تم الاتفاق عليها بين مصر وحماس» بما يوحي أن الورقة ليست مقترحاً مصرياً للطرفين!، مضيفا  «عندما تعلن حكومة التوافق الانتهاء من عملية التمكين في قطاع غزة نذهب إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية تشارك فيها كافة الفصائل»، بما يوحي بالعودة الى مصطلح التمكين ومفهومه الفضاض المختلف عليه, لأنه بكل بساطة غير محدد بنقاط محددة ومعينة، والاهم من ذلك هو تكرار للتصريحات والعبارات التي لا تعني ولا تفوح منها إلا رائحة الإقصاء البغيض، فقد قال: «إذا أرادت حماس الاستمرار في سيطرتها على غزة فليخبرونا بذلك ...، أو نحن جاهزون لنتحمل كامل المسئولية عن أهلنا في القطاع»، وأضاف السيد محمد اشتية « إن منظور فتح للمصالحة هو شرعية واحدة، سيادة واحدة، قيادة واحدة، رجل أمن واحد، حكومة واحدة».

 

إن المصالحة الحقيقية والصادقة والتي يمكن لها الاستمرار وإخراج المواطن والمجتمع الفلسطيني وكذا القضية الفلسطينية من الازمة والطريق المسدود التي وصلنا إليه جميعا، هي تلك المصالحة التي تقوم على شراكة حقيقية بين مكونات المجتمع الفلسطيني من فصائل ومؤسسات المجتمع المدني، وليس فقط على مشاركة طرفي الانقسام البغيض فتح وحماس، شراكة تحقق لنا أولا التوافق على صياغة مبادئ برنامج وطني بما يخص الثوابت والقضايا التي عليها إجماع فلسطيني مثل الدولة، القدس ، اللاجئين ... ألخ ، وفي نفس الوقت لا تحجر على أحد التفكير في استخدام أساليب يرتئيها لتحقيق تلك الثوابت والقضايا.

 

وشراكة تحقيق ثانياً مشاركة الكل الفلسطيني من كافة اتجاهاته وتياراته المشاركة الفعالة في بناء المؤسسات الفلسطينية على اختلاف أسمائها ومسمياتها، مشاركة الكل الفلسطيني ليس ضمن المحاصصة والتقاسم الوظيفي تبعاً للحزب, ولكن مشاركة ضمن تطبيق المبادئ الأساسية  للبناء على الكل الفلسطيني والتي تشمل الكفاءة، العدل، المساواة، والشفافية ... ألخ.

 

شراكة تفرز قيادة فلسطينية تعمل جاهدة على خدمة أبناء الشعب الفلسطيني بكافة أطيافه  وتوجهاته الفكرية والسياسية دونما تمييز، لا قيادة تريد من الشعب أن يكون خادماً لها ولرؤيتها الفكرية والسياسية، وأن يكون الشعب بمثابة الأداة التي تستخدمها لفرض مواقفها وأجندتها، قيادة تملك الشجاعة الأدبية والفكرية والأخلاقية لأن تتنحى عن مواقعها عندما ترى أنها لم تحقق ما هو مطلوب منها لصالح الشعب والمواطن الفلسطيني، وتفسح المجال لفريق قيادي آخر، عله يستطيع فعل ما عجزت عنه ، وفوق ذلك تقدم الاعتذار للشعب الفلسطيني عن عدم قدرتها على تحقيق مصالحه وتحسين ظروف حياته ومعيشته، وتحقيق آماله وطموحاته ، كل ذلك تمارسه القيادة عبر بوابة الانتخابات النزيه والشفافة واحترام نتائجها ، تماما كما هو في كل دول العالم التي تحترم ذاتها ومواطنها, لا كما يجري في الدول ذات الأنظمة الاستبدادية والديكتاتورية التي ترفع صوتها عاليا حتى عنان السماء بأهمية الاحتكام لصندوق الاقتراع، حتى إذا ما جاءت النتائج على غير رغبة النظام، كان هناك التزييف والمراوغة وصولا إلى الانقلاب الكامل على هذه الانتخابات ونتائجها.

 

المطلوب أن يسعى الكل الفلسطيني بما يشمله من فصائل ومؤسسات مجتمع مدني وفي مقدمتهم طرفي الانقسام البغيض فتح وحماس للعمل الجاد والتوجه الحقيقي نحو مصالحة حقيقية, تخرج الجميع من المأزق الذي وصلنا إليه في صراعنا مع الكيان الصهيوني المغتصب للأرض والحقوق، باعتبار ذلك أولى الخطوات للسير على الطريق الصحيح نحو المواجهة مع الكيان الغاصب لأرضنا ومقدساتنا.

 

التعليقات : 0

إضافة تعليق