بقلم : حماد صبح
لم تواجه إسرائيل منذ نشأتها حالة أمنية محيرة تقف عاجزة أمامها مثلما تواجه منذ الثلاثين من مارس الماضي ؛ بداية فعاليات " مسيرة العودة وكسر الحصار " التي أحرقت فيها آلاف الدونمات من المزروعات والأشجار في مستوطنات محيط غزة بفعل الطائرات والبالونات الحارقة التي تطلق في تلك الفعاليات ، ودوت أثناءها صفارات الإنذار مرات في تلك المستوطنات مفجرة أمواجا من الهلع في نفوس المستوطنين في مشاهد بعثت دهشة واستغراب الملايين في العالم.
أيوجد من البشر من يخاف إلى هذه الدرجة مع كونهم في جو أمني ولو نسبي ؟! ومن منابع حيرة إسرائيل أمام فعاليات مسيرة العودة وكسر الحصار : كيف تعجز عن مواجهة الطائرات والبالونات الحارقة وهي الدولة المصنفة في المرتبة الثامنة من حيث القوة الشمولية ، وفي بؤرتها القوة العسكرية ذات القدرات التكنولوجية الرفيعة ، والمقتدرة على التعامل مع كثير من التطورات في نوعية السلاح الذي قد تواجهه ، وبسرعة مرموقة ، ثم هي الآن في أحسن حالات وضعها الاستراتيجي سياسيا وعسكريا وعلاقات عربية ودولية ؟!
وهل من حصافة العقل وجودة الحكمة أن تخرج في حرب شاملة على غزة لوقف تلك الطائرات والبالونات التي مهما كان ضررها مقلقا فإنه يظل نسبيا محدودا ؛ حرب قد تضطر فيها لاستخدام القوات البرية مع ما في ذلك من مخاطرة بحياة عشرات الجنود وجرح المئات جنودا ومستوطنين ؟! ويحتد النقاش والجدل ، وتُتَبادل الاتهامات بالعجز والتقصير في الحسم على كل المستويات السياسية والعسكرية والاستخبارية والإعلامية بين الإسرائيليين إزاء ما فعلته غزة بدولتهم ، ويصدمهم بلا استثناء اكتشاف أن للقوة حدا ، وهم الذين آمنوا ماضيا أن ما لا تأتي به القوة يأتي به مزيد من القوة ، وأنه ما كل مشكلة تحل عسكريا ، وأن مشكلة غزة من هذا الصنف بعدما اختبرت إسرائيل ثلاث حروب لحلها ، وفي أوضاع لم تكن فيها بمثل ما هي عليه الآن من تردٍ وتعقد ، ولكنهم ، في إسرائيل ، ولما حصدته لهم القوة من قبل من وفرة مكاسب ، لا يلبثون أن يلوذوا بالتفكير في الاستنجاد بها ، مرات بغاية التأثير النفسي العاتي على غزة شعبا ومقاومة ، ومرات بالدعوات الجادة الحادة للهجوم على غزة .
وتأتي تلك الدعوات الجادة من جهات رسمية وإعلامية ، والجهات الرسمية مثل نتنياهو وليبرمان أكثر تحذرا وتحفظا فيها لكونها هي التي سيُجبى منها ثمن أي إخفاق أو عواقب رديئة خارجة عن الحساب للحرب . الجهات الإعلامية الوثيقة الصلة بالأجهزة العسكرية والاستخبارية تتطرف أبعد ، وتتحمس أعنف في الدفع نحو الحرب على غزة . من ذلك ما كتبه جنرال الاحتياط عاموس يادلين في موقع مركز أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي الذي يترأسه ،
وحرض فيه إسرائيل للقيام بحرب واسعة على غزة للقضاء على حماس حركة وسلاحا ، وإرجاع غزة إلى عباس ، وقاسمه التحريض ، وبلهجة أشد وأحد ، الكاتب اليميني تساحي ليفي في مقال نشره على موقع القناة السابعة التابعة للمستوطنين ، والفرق أنه يقترح أن ترجع غزة إلى مصر بعد القضاء على حماس وقوتها العسكرية ، وليقينه بأن مصر لن ترحب بإرجاع غزة إليها يقدر أنها قد تقبل إذا ما استعملت معها الوسائل التالية :
أولا: تغلق إسرائيل غزة إغلاقا شاملا ، وتنفصل عنها انفصالا نهائيا كاملا ، وهنا ، في رأيه ، ستضطر مصر لاسترجاع غزة .
ثانيا : تطلب إسرائيل من السعودية تفعيل ضغطها على مصر ، ولإسرائيل في هذه الحالة أن تستغل العداء الجامع بينها وبين السعودية لإيران .
ثالثا : تهديد مصر بوقف التسهيلات التي قدمتها لها إسرائيل حين وافقت على نشر قوات مصرية في شمال سيناء لمقاتلة المسلحين خلافا لاتفاق السلام بين الدولتين الذي يحدد التواجد العسكري المصري في هذا الجزء من سيناء .
رابعا : إغراء مصر واسترضاؤها بأن قبولها باسترجاع غزة سيمنحها مجالا للإفادة من غاز غزة المكتشف أمام شاطئها .
وهكذا ، هم دائما ينقبون عن الحلول للمشكلات التاريخية الكبرى التي أنتجها تواجدهم المغتصب للوطن الفلسطيني خارج حدود هذا الوطن ، دائما يهربون إلى الأمام ، ويرفضون بتهور أهوج أن يلتفتوا وراءهم لاستكشاف عظم خطئهم حين حشروا أنفسهم غزاة مستوطنين في أرض ليست لهم ، أرض شعبها مقيم فيها وجودا بشريا وحضارة متألقة مزدهرة ، وعدده الآن فيها يفوق عددهم ، وأحدث مفاعيل هروبهم إلى الأمام قانون يهودية الدولة الذي وافق عليهم كنيستهم الخميس الفائت ، التاسع عشر من الشهر الحالي ، والذي حصر حق تقرير المصير في فلسطين في من هو يهودي ، وسيواصلون هروبهم إلى الأمام ، ولن يغيثهم أحد من شنق أنفسهم ؛ لأن صراعنا معهم سيتواصل حتى آخر فرد منهم ، وغزة اليوم رأس الرمح في هذا الصراع على قسوة أحوالها وسوئها ، وهي مع ذلك تحيرهم وتعجزهم ، والأكيد البين أنها لن تظل وحدها .


التعليقات : 0