أحمد رفيق علي
الصراع بين الحق والباطل قديم يبدأ منذ خلق الله تعالى الحياة الآدمية، وكأنّ هذا الصراع سنّة لازمة من سننها.. قائمة إلى ما شاء الله؛ إظهاراً للحق وإزهاقاً للباطل، عند نهاية كل جولة أو حِقبة من حِقب الصراع! ودائماً صاحب الحق يحمل كل صفات الشرف والفضيلة والنبل والمروءة النابعة من الإيمان بالله تعالى وصفاته العليا وأسمائه الحسنى!
أما ذو الباطل فعلى الضدّ من ذلك.. كفراً بالله تعالى أو شركاً به أو نفاقاً، واتّباعاً لدعوة الشيطان إغواءً وتضليلاً ومناهضةً للحق وتحويلاً سبيلا قويماً! وهذا الصراع يظلّ قائماً بين الحق والباطل منذ عصى الشيطان ربّه فطرده ربّه من الجنة، فأقسم ليغوينّ البشر أجمعين إلا عباد الله منهم المخلصين. وبحِلمٍ من الله تعالى وحكمة فقد لبّى طلب الشيطان بإمهاله حياً إلى يوم الدين، فأمهله إلى يوم الوقت المعلوم؛ إمضاءً لسنّة الصراع الدائمة بين الحق والباطل، وليرى الشيطان بنفسه كيف ينهزم مع جنده كلما حاول التصدّي للحق، ولو حصل النصر الظاهري المؤقت للباطل أحياناً! إذ أنّ الله تعالى قد كتب واعداً ـ ووعده الحق ـ بنصره رسله والمؤمنين في النهاية، مقسماً مؤكّداً بقوله في كتابه الكريم: «كتب الله لأغلبنّ أنا ورسلي إنّ اللهَ لقويٌّ عزيز» (المجادلة 21) فلن يطول ظهور الباطل في أيّ عصر من العصور، حتى يظهر عليه الحق في نهاية الشوط أو العدد من أشواط الصراع!
والتاريخ شاهد على ذلك: فبعد عصر البعثة المحمدية الميمونة، والتي توّجها الله تعالى بالنصر على أهل الباطل من مشركين ويهود ومنافقين، ثم قيام دولة المسلمين دولة الحق وامتداد سلطانها شرقاً وغرباً.. راح الباطل يحشد عليها حشوده من الغرب تحت رمز الصليب، فكانت له الجولة لينتزع القدس من أيدي المسلمين؛ في حال تفرّق كلمتهم وصراعهم على السلطة آنذاك! حتى إذا عادت لهم وحدتهم بعد تسعين عاماً، على يد القائد المؤمن البطل صلاح الدين الأيوبي حُررت القدس وعاد الحقُّ ظاهراً على الباطل مرةً أخرى!
ولكن لا يلبث شيطان الباطل أن يعود ناشراً جنده من الشرق هذه المرة، في زحفٍ مغوليٍّ همجيٍّ لا يبقي على زرعٍ ولا ضرعٍ ولا مسلمٍ ولا كتاب.. مكتسحاً العراق فالشام، وصولاً إلى أوّل الأرض المقدسة فلسطين؛ ليلقى عليها في عين جالوت ــ حيث كانت تنتظره جنود الحق من مصر وغزة والقدس ــ شرّ هزيمة ويظهر الحق في نهاية الأشواط التي لا بدّ أن تتكرر على الزمان.. وتقوم الدولة العثمانية الإسلامية موحدةً الأعظم من الممالك الإسلامية التي تفرقت مع الزمان، ثمّ تنشأ الحربان العالميتان بين الأحلاف المتصارعة شرقاً وغرباً، ويكون للعثمانيين والعرب مواقف متباينة من الفريقين؛ تنتهي بتقسيم العالم العربي الإسلامي إلى عشرين من الدويلات.. بينما تتقلص الدولة العثمانية وتنفصم إلى ما سمّي بتركيا الحديثة على يد العلماني كمال أتاتورك! وتقع معظم فلسطين بيد اليهود قاتلين مشرّدين أهلها العُزّل من ديارهم؛ بقوة السلاح والتآمر الدولي الاستعماري وغياب الوحدة العربية والإسلامية!
وليعود الصراع بين الحق والباطل.. صراعاً لا بدّ أن ينتهي بانتصار الحق كما هي السنّة المعهودة والوعد الإلهي الموعود! فقط يحتاج الأمر منّا أهل الحق إلى كثير من الصبر والجهد والبذل مع اليقين بنصر الله تعالى ــ النصر الموعود المحقق لعباده المؤمنين، ولو كانوا الفئة الأقل عدةً وعددا من العدو المتدرّع بقوى الياطل عدّةً وسندا! إذ يقول الله ـ عز وجلّ ـ :«.. قال الذين يظنون أنهم ملاقو اللهٍ كم من فئةٍ قليلة غلبت فئةً كثيرةً بإذن الله والله مع الصابرين» (البقرة 249) وإنا بإذن الله لمنتصرون.. وإنّا لدبارنا وحقنا لعائدون.


التعليقات : 0