المشروع الصهيوني في أعلى مراحله... خالد غزال

المشروع الصهيوني في أعلى مراحله... خالد غزال
أقلام وآراء

خالد غزال

لم يكن إقرار الكنيست الإسرائيلي إعلان «إسرائيل الدولة القومية للشعب اليهودي» مفاجئاً، ولا صاعقة نزلت من سماء صافية. فهو الهدف الأخير للمشروع الصهيوني منذ إعلانه، والذي كان يفصح تباعاً في كل مرحلة من تطور دولة إسرائيل عن أهداف مقبلة للمشروع، وذلك ارتباطاً بالتحولات الداخلية للمجتمع الإسرائيلي، وبالاستناد إلى العوامل الخارجية المساعدة في إعلان الهدف الجديد. هكذا تدرجت الحروب التي خاضتها إسرائيل في سياق بناء الدولة اليهودية، ووسعت الاستيطان، وأعلنت القدس عاصمة لـ «إسرئيل»، وضمت الجولان إلى أراضيها، واستولت على معظم أراضي فلسطين...

 

القانون الجديد الذي كرّس «إسرائيل» دولة يهودية خالصة، يعني في مضمونه أن حق تقرير المصير خاص بمعتنقي الدولة دون سواهم، وأن القدس بغربها وشرقها هي عاصمة أبدية للدولة، واللغة العبرية وحدها اللغة الشرعية. ويفتح القانون الهجرة اليهودية من الشتات، ويطلق العنان للاستيطان الصهيوني في الأراضي العربية. ينجم عن هذا القانون مفاعيل داخلية تخص الدولة ومواطنيها، وتشكل أخطاراً على الشعب الفلسطيني، داخل دولة إسرائيل وفي الضفة الغربية وغزة، ناهيك عن آثاره بمطلب حق العودة.

 

بالنسبة إلى «إسرائيل»، القانون يجعلها دولة تمييز عنصري بامتياز (نظام الأبارتهيد)، على غرار ما كانت عليه جنوب أفريقيا لعقود خلت. ما كان لهذا القانون أن يمر لولا التحولات في بنية المجتمع الإسرائيلي الذي شهد منذ أواخر سبعينيات القرن الماضي بداية تحولات بنيوية لصالح صعود اليمين الإسرائيلي، ودور متزايد للأحزاب الدينية. هذه الأحزاب استطاعت ان تجعل ميزان القوى مختلا لصالحها، بما سمح بنجاح تمرير مشروعها الذي يصب في خانة ترسيم «إسرائيل» دولة دينية. هذا القرار أتى يضرب كل الادعاءات التي قامت عليها دولة إسرائيل بادعائها العلمانية والديموقراطية. لا ينتقص من أهمية نجاح «الصهيونية الدينية» كون المشروع تم إقراره بأكثرية هزيلة. ستدخل إسرائيل في نقاش بعد هذا القرار الذي نسف ما كان أعلنه «الآباء المؤسسون» حول طبيعة الدولة غير المتطابقة مع المشروع الصهيوني في محطته الراهنة. وسيفتح القرار أيضاً سجالاً عالمياً حول تصنيف اليهود على أساس ديني، ووسم كل يهودي بالصهيونية، وهو أمر لا يُجمع عليه اليهود في العالم.

 

الآثار المباشرة ستطال الشعب الفلسطيني داخل «الأراضي الإسرائيلية». فهولاء المواطنون الذين يشكلون نحو 20 في المائة من سكان «أرض إسرائيل»، سيحرمون من كثير من الحقوق الممنوحة لهم، في لغتهم ومدارسهم واقتصادهم، وحقوقهم السياسية في الدخول إلى البرلمان... ناهيك بسياسة التمييز العرقي التي ستمارس ضدهم. ستعود نغمة «الترانسفير» مجددا، مطالبة بجعل «إسرائيل» دولة صافية لليهود، وأن مكان السكان العرب سيكون خارج أراضي الدولة. وهي مقولات ليست جديدة، بل كانت ترتفع في مرات عديدة، من دون أن يمكن تحقيقها. أما الآن، وبعد التشريع الجديد، فإن إسرائيل ستبذل كل الوسائل لإنهاء الوجود العربي ضمن أراضيها.

 

على صعيد الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، ستوجه ضربة قاسمة لمشروع الدولتين اليهودية والفلسطينية، وهو أمر سبق لـ «إسرائيل» ان ألغت بحكم الأمر الواقع مطلب إقامة دولة فلسطينية في أراضي عام 1967. كما سيتلاشى كل حق في عودة لاجئين إلى أرضهم في فلسطين.

 

إذا كان المشروع الصهيوني قد حقق حلمه القديم، بعد أن بناه لبنة لبنة، فما كان له أن يتحقق لولا توفر ظروف عالمية وعربية ساعدت على تحقيق هذا المشروع. عالمياً، كان الانحياز الكبير من جانب الإدارة الأميركية الحالية لهذا المشروع عنصراً وازناً في الوصول إلى قرار الكنيست. لم تتوقف الإدارة الأميركية المتوالية عن دعم «إسرائيل» منذ قيامها، ودعم مشاريعها التوسعية والاستيطانية، لكن الإدارة الحالية برئاسة ترامب ذهبت أبعد من أي إدارة أخرى في كسر ما كان معتبراً «محرمات» من قبيل الاعتراف بالقدس عاصمة لـ «إسرائيل» ونقل السفارة الأميركية إليها. لعل وجود ترامب شجع اليمين المتطرف على الذهاب بمشروعه إلى نهايته. كما أن سائر الدول الغربية، التي تدعي حماية حقوق الإنسان والدفاع عنها، لم تقم بردة فعل حتى ولو كانت نظرية، استنكاراً للقرار الإسرائيلي.

 

وأفادت إسرائيل من غياب الاهتمام العربي بالقضية الفلسطينية بشكل لا سابق له. فالحروب الأهلية العربية – العربية عمّقت من التخلي العربي عن القضية، وتركت الفلسطينيين يواجهون مصيرهم بأنفسهم. يعرف الفلسطينيون استحالة حروب عربية إسرائيلية، لكن العرب بإمكانهم استخدام نفوذهم الدولي للحد من اندفاعة المشروع الصهيوني، وبإمكانهم الدعم المادي للشعب الفلسطيني في الداخل، في الضفة والقطاع.

 

يبقى أن الرد على المشروع الصهيوني، بمقدار ما يجب أن يكون عربيا، فإن فلسطين تبقى معنية بالدرجة الأولى في مواجهة هذا المشروع، الذي هو بطبيعته مشروع حروب دائمة. لن يتوقف الشعب الفلسطيني عن المواجهة، لكن نجاحه مرتبط بالوحدة الفلسطينية وإنهاء الانقسام. هذه الوحدة تمنع قيامها اليوم دول عربية وإقليمية على رأسها إيران. هذا شرط أساسي للمواجهة والوصول إلى الحقوق. جانب آخر يتصل بالتوجه الفلسطيني نحو اليهود داخل إسرائيل وخارجها، فليس كل اليهود صهاينة، وكثيرون وقفوا إلى جانب حقوق الشعب الفلسطيني. إن تكثيف التحريض ضد الحركة الصهيونية وفضح سياساتها يصب في النضال الفلسطيني من أجل الحرية والعدالة والمساواة.

 

التعليقات : 0

إضافة تعليق