عبد الله الشاعر
اتفقنا، نعم اتفقنا من قال: إنا لا نجد أرضية وفاق نقف عليها فقد بالغ في انتقاد الحال. الأسبوع الفائت اتفق الفلسطينيون على اعتبار الطفلة الأسيرة المحرّرة عهد التميمي أيقونة، اتفقنا على الأرضية، لكننا اختلفنا على السقف، قال الراضون عنها: إنها أيقونة المقاومة، وقال الساخطون: إنها أيقونة شقراء! ربما ينبغي أن نتعلم من هذا التوافق الهشّ ككومة قش يحسبها الظمآن نهراً جارياً، كيف نجد أرضيات لنُجلس المصالحة عليها، بعد إحدى عشرة سنة من التفحيج فوق أرضيات الصراع، دون أن نجد أرضيّة واحدة، نثبت عليها مقعدة المصالحة، لنبدأ اختلافنا على السقف!
يلوك الناس الأخبار كعلكة رديئة، ثم لا يلبث بعضنا أن يبتلعها على عجل ليقتات على خبر جديد، يلوكه حتى يذهب طعمه، ويفرط تماسكه، ويبصقها الآخرون في وجه كل هذا السخف الذي يجتاحها، ليحولنا إلى مطبّلين، ومصوّرين لعذابات الشرفاء منّا، ومنتظرين في محطات القرار السياسي لنقبض عُشر الراتب أو عُشريْه، في سخريةٍ موجعة مما آل إليه حالنا بين شقيّ الوطن الذي تعجز مصر بتاريخها العريق، عن جعل ساسته يقفون على أرضيّة واحدة، وليكن تناحرهم على السقف .. مرعبٌ إلى أيّ حدّ يمكن للمرارة أن تعبث بشبابنا، أولئك الذين تجاوزوا البحث عن أرضية وطنية، واكتفوا بأرضية سيارتهم، لينطلقوا منها يرقصون «الكيكي»، رقصة الأبواب المشرعة، والخفّة في الركوب والنزول من مركبة متحركة، في تدريبٍ مقيت على الوقوف على الأرضيّات العائمة، في زمن انقلبت فيه الموازين، وصارت المهارة في خفّة الانتقال من الداخل إلى الخارج بخفّة تواكب الحركة المستمرة، وسلاما للثوابت الراسيات. .
كيف تحوّلنا من شعب يُصدّر إرادة وكرامة للدنيا كلها، إلى شعب يسجن شبابه على خلفية رقصة الكيكي؟ وكيف تسرّبنا من المشهد العظيم، ونسينا ثوابتنا إلى حدّ انشغالنا عن انجازات شعب اليمن العظيم، الشعب الحافي الأقدام، والذي ألقم هذا العالم المتغطرس أحذيته، بعد سنوات صموده وثباته تحت القصف العربيّ الجائر. كيف تشبعنا بسمّ المرحلة، وغفلنا عن ترياقها، وتجاهلنا في خضمّ مهاتراتنا حول سقف الأيقونة، وأرضية المصالحة، الإرهاصات الجادة للاصطفاف العالميّ في المعسكرات والمحاور، تمهيدا لصراع دامٍ بين الأقطاب، الذين نشكل نحن أرضية صراعهم، ومصالحنا سقفها، إلى أي حدّ يمكننا أن نبدع في اختلاق قضايا ننفخ فيها الروح، ونراقبها تكبر وتتضخّم، لتبتلع القضايا الحقيقيّة التي ينبغي أن تكون سيّدة الأرض، ورغبة السقف، فلا أيقونة إلا القدس، ولا عين إلا على النصر، ولا معركة إلا باتجاهها الصحيح، ضد العدو الواضح.


التعليقات : 0