القضية الفلسطينية لم تكن ولن تكون قضية إنسانية... تيسير الغوطي

القضية الفلسطينية لم تكن ولن تكون قضية إنسانية... تيسير الغوطي
أقلام وآراء

 بقلم: تيسير الغوطي

   

بدأت القضية الفلسطينية رسميا بنكبة عام 1948 وقيام دولة الكيان الصهيوني على ارض فلسطين بعد قتل وتشريد جزء كبير من أبناء الشعب الفلسطيني جراء الجرائم والمجازر التي ارتكبتها العصابات الصهيونية بحقهم، وان كانت ارهاصاتها قد بدأت قبل ذلك بكثير، على الأقل منذ وعد بلفور وتوجه الأطماع الاستعمارية للمنطقة الإسلامية عقب هزيمة وتراجع الدولة العثمانية، وهذا يعني ان القضية الفلسطينية هي نتاج الصراع بين الغرب الاستعماري محملا بأطماعه في المنطقة الإسلامية، وبين الشرق الإسلامي الذي حاول الوقوف في وجه هذه الأطماع، لكن شراسة الهجمة الاستعمارية كانت أقوى من إمكانات الشرق الإسلامي المفكك والمنهار والمتراجع، فكانت النتيجة الفاجعة اغتصاب فلسطين وإقامة دولة الكيان الصهيوني.

 

حاول المفكرون العرب والمسلمون تقديم تفسير ورؤية لما جرى على أرض فلسطين بعضهم اعتبرها قضية قومية لمنع إقامة كيان عربي موحد ورتب على ذلك أن هذا الصراع هو صراع عربي- صهيوني، على الأمة العربية بأكملها تحمل نتائجه والتصدي له، بعضهم رأى فيها قضية أكبر من صراع بين العرب والصهاينة، وإنما هي صراع بين الأمة الإسلامية بكاملها والعرب في القلب منهم، وبين الاستعمار الغربي والكيان الصهيوني ليس إلا رأس حربته، لذا رفع شعار القضية الفلسطينية هي القضية المركزية للعرب و المسلمين.

 

لعوامل عدة أهمها تخاذل الحكام العرب والطبقة الحاكمة، وظهور طبقة المثقفين المتغربين فكريا، وعدم تبوء الحركة الإسلامية لدورها ومكانها بدأ التقزيم للقضية الفلسطينية لتصبح قضية صراع عربي – صهيوني ، وأمام مزيد من التكريس للعوامل السابقة وتحلل بعض الأنظمة والحكام العرب من مسئولياتهم تجاه القضية الفلسطينية تم تقزيم القضية لتصبح صراعا فلسطينيا – صهيونيا، وهذا تزامن مع زيادة الضغط على الفلسطينيين وتقليص المساعدات والدعم المقدم لهم مما أجبر القيادة الفلسطينية عن التخلي عن فلسطين الكاملة من النهر إلى البحر، والقبول بأقل من 20%  منها (حدود 1967) والدخول في مستنقع السلام الوهم وصولا إلى أوسلو المشئوم، والذي حول جزءاً من الفلسطينيين كحارس أمن للكيان الصهيوني من الكل الفلسطيني وحقوقه وتطلعاته.

 

 ومع مزيد من الانهيار الفلسطيني والعربي وزيادة العلو والاستكبار الصهيوني المدعوم من الاستكبار العالمي وعلى رأسه الشيطان الأكبر متمثلا في الإدارة الصهيوأمريكية، أصبحت الأجواء مهيأة أكثر لممارسة مزيد من الضغط من قبل الاستكبار الصهيوأمريكي ومن يدور في فلكه على الطرف الفلسطيني ليقبل بما يطرحه لإنهاء الصراع مع الكيان الصهيوني ، والذي إن قدر له النجاح – لا قدر الله- فإن ذلك يعني انهاء وتصفية للقضية الفلسطينية حسب الرؤية الصهيوينة، وربما أكثر بما لم يكن يحلم به الصهاينة في يوم من الأيام السابقة. أن ما يتم طرحه في المفاوضات التي تجري اليوم برعاية مصرية ودولية ممثلة بالمبعوث ميلادينوف إن قدر له أن يخرج لأرض الواقع، فإنه سيحول وينقل القضية الفلسطينية من قضية سياسية وصراع حضاري ووجودي مع الكيان الصهيوني ومن يقف خلفه إلى قضية إنسانية تهدف لتوفير ما يمكن الفلسطينيين من الاستمرار على قيد الحياة من مأكل ومشرب, مقابل أن يتخلى الفلسطينيون عن كل طموحاتهم بدء من فلسطين من البحر إلى النهر وليس انتهاء بالتخلي عن المقاومة وكل ما يزعج الكيان الصهيوني، وصولا لأن يعيش هذا الكيان على أرض فلسطين المغتصبة بأمن وأمان، يقول الوزير الصهيوني يواف جالانت في تصريح لإذاعة الجيش الصهيوني الأحد 5/8/2018 «ان المعروض الآن بين إسرائيل وحماس وما ناقشه الكابينت هو الهدوء الكامل ووقف كامل الأعمال العدائية من غزة مقابل فتح معبر كرم أبو سالم وتوسيع مساحة الصيد إلى 6 أميال بحرية فقط»، مضيفا «يجب أن تتوقف البالونات والطائرات الحارقة والمسيرات وحوادث إطلاق النار مقابل إدخال المزيد من المساعدات الإنسانية لغزة»، فيما أكد مصدر صهيوني آخر رفيع  المستوى أن الاتصالات الدائرة الآن لتحقيق هدف واحد هو وقف إطلاق النار وهدنة طويلة مقابل تخفيف الحصار وفتح معبر كرم أبو سالم وزيادة مساحة الصيد.

 

 إن مثل هذا الطرح لا يكمن خطره في تحويل القضية الفلسطينية إلى قضية إنسانية تتعلق بالمأكل والمشرب والكهرباء بدلا من كونها قضية سياسية ووجودية، فضلا عن كونها مركز ومحور الصراع الكوني بين الحق والباطل، بين الحضارة الإسلامية وقيمها وعقيدتها وبين الاستعمار الغربي وحضارته المادية ممثلا برأس حربته الكيان الصهيوني، وإنما يكمن في أنه مقدمة لتطبيق صفقة القرن التي أعدتها الإدارة الصهيوأمريكية بواشنطن على أرض الواقع، تلك الصفقة التي هدفها الوحيد هو تصفية القضية الفلسطينية لصالح الرؤية والرغبة الصهيونية.

 

 أيا كانت المبررات التي سيسوقها هذا الطرف أو ذاك لتبرير مواقفه، فإنه يجب التأكيد على أن التاريخ والواقع والشعب لن يرحم  ولن يسامح أحداً ساعد أو ساهم في تقزيم القضية الفلسطينية إلى قضية إنسانية (مأكل ومشرب)، حفاظاً على موقعه ومكانته أو سلطته أو مكاسب حققها لشخصه أو حزبه، وأن الواجب يفرض علينا كشعب مجاهد أن نتصدى لكل هذه المخططات والمقترحات، وأن نرفع صوتنا عاليا بأن قضيتنا هي قضية سياسية بامتياز، وهي قضية صراع وجودي وعقائدي مع هذا الكيان الغاصب، فأن نموت واقفين محافظين على ثوابتنا وكرامتنا وعزتنا وعقيدتنا خير لنا ألف مرة من أن تعيش أجسادنا بما لذ وطاب من أصناف الطعام والشراب ، فيما تقتل أنفسنا كل يوم مئات المرات بالذلة والمهانة وشعور اليأس والإحباط.

 

التعليقات : 0

إضافة تعليق