الـعـالـم الـعـربـي إلـى أيـن ؟! بقلم: الشيخ نافذ عزام

الـعـالـم الـعـربـي إلـى أيـن ؟!        بقلم: الشيخ نافذ عزام
أقلام وآراء

الشيخ/ نافذ عزام

لا نظن أن العالم العربي عاش أوضاعاً كهذه التي يعيشها اليوم، والكلام ذاته ينطبق على الوضع الدولي الذي لم يكن بهذا السوء منذ الحرب العالمية الثانية، ومع وجود محاولات أوروبية تحديداً لوضع حلول لمشاكلهم والتوافق حول مواقف مشتركة تجاه القضايا التي تواجهه، فمن غير المؤكد وجود هكذا محاولات في العالم العربي الذي يغرق في الفوضى والصراعات وإن وجدت فهي لا تأتي للبحث عن حلول وتوافقات، بل لتعميق الأزمات واستمرار الصراعات، وإشعال المزيد من الحرائق بما يفاقم من معاناة الشعوب، ويزيد التفتت ويفقدنا القدرة على الحفاظ على استقلالية المنطقة وتحقيق ما كان يطمح إليه الناس .

 

في السابق كان من السهل إلقاء اللوم على الأعداء التقليديين ، والقوى الأجنبية ، وغياب القيم الأخلاقية عن الموقف الدولي، ونحن لا ننكر أثر تلك العناصر ولا ننكر أن القوى الأجنبية لا تريد الخير لأمتنا ولا تجعل استقرار منطقتنا أولوية في سياستها وبرامجها، لكن الواقع الأكيد أن أكبر الضرر الحاصل اليوم، هو الذي نتسبب فيه نحن لأنفسنا، وما عجزت القوى الأجنبية عن تحقيقه حرباً أو سلماً، نحققه اليوم بأيدينا وأموالنا وسياستنا، ولا يخفى على أحد المحاولات الأجنبية لتفتيت العالم العربي والإسلامي الذي كان قبل مائة عام فقط وحدة واحدة وكيانا واحداً، قبل مائة عام فقط لم تكن هذه الحواجز موجودة بين أقطار الأمة وشعوبها، فاخترع الغرب معاهدة "سايكس بيكو" لتقسيم الأمة وزرع الانقسام بين شعوبها وقومياتها، والمؤسف أن الدول التي نشأت بعد ذلك في الوطن العربي والإسلامي والتي رفع معظمها شعارات القومية والوطنية اعتبرت الحدود الجديدة مكاسب وانجازات، وعملت بشراسة لإبقائها وترسيخها.

 

كان من أهداف "سايكس بيكو" تفتيت الدولة الواحدة التي كانت تضم أقطار الأمة وأجزاءها، وخلق أسباب التناحر والتشرذم، وإدخال العرب والمسلمين في صراعات داخلية على أسس طائفية وقومية ومذهبية، كان حلم "إسرائيل" منذ قيامها تعميق الانقسام في المنطقة، واستيلاد كيانات جديدة لتحمل عناوين مذهبية وطائفية، واستمرت محاولات "إسرائيل" حتى يومنا هذا، لكن ما فشلت فيه "إسرائيل" وما حلم به الغرب، يحققه العرب والمسلمون بأنفسهم من خلال هذا الجنون الذي يعصف بالأمة، حتى في ظل "سايكس بيكو" كانت النعرات الطائفية والمذهبية غير واضحة، وكان دعاتها في قفص الاتهام، وظل ضمير الأمة يرفضها ولا يتعايش معها.

 

أما اليوم فالحروب تشن والأحلاف تتشكل تحت عناوين طائفية ومذهبية دون مواربة أو تجميل، وكل ذلك يزيد من تعقيد قضية الأمة المركزية (القضية الفلسطينية) ويعطي "إسرائيل" كل المبررات لتتعنت أكثر ولتذهب لساحة البراق تعقد جلسة لحكومتها هناك في مشهد صادم لكل فلسطيني وكل عربي وكل مسلم ما يحدث اليوم في العالم العربي يمثل أسوأ كابوس يمكن تخيله، وتأثير هذا الجنون يطال كل شيء في حياتنا.. على المستوى الفكري والثقافي والقيمي، وعلى مستوى السياسة والأمن والاقتصاد، وعلى مستوى الفن والأدب وحتى على المستوى الاجتماعي والنسيج الذي تشكل طوال القرون الماضية كل ذلك يتم باسم الإسلام تارة، و باسم القومية والوطنية تارات. ويجري التنظير لهذا الزلزال بشكل علني ورسمي، وباستخدام واجهات دينية ووطنية وقومية.

 

إن أهم خطوات مواجهة ذلك الطوفان، هو رؤيته على حقيقته، وعدم إغماض العيون، وإغلاق الأفهام، وتجنب منحة الشرعية الدينية والوطنية، ومحاولة تجميع الطاقات التي يدرك أصحابها خطورة ما يجري، وإدراكهم هذا يجب أن يدفعهم لتقديم العام على الخاص، ومقاومة ظاهرة التعصب التي تستشري في المنطقة، وكل ذلك ينطلق إيماناُ عميقاً بالقدرة على وقف الانهيار، كجزء من الإيمان العميق بسنن الله الفاعلة في الكون، فهل نكون على قدر التحدي؟!

 

التعليقات : 0

إضافة تعليق