في ضياء بدر الكبرى... بقلم: الشيخ نافذ عزام

في ضياء بدر الكبرى... بقلم: الشيخ نافذ عزام
أقلام وآراء

الشيخ نافذ عزام

كانت معركة بدر من أبرز المناسبات التي يستحضرها الناس في رمضان من كل عام. فهي إضافة لكونها المواجهة الأولى بين دولة الإسلام الناشئة وسادة مكة وكبارها، مثّلث نموذجا للكيان الأخلاقي المؤجل للانتصار، ومثل صناع ملحمتها صورة عن اخلاق النصر وعوامله، لذلك إذا أردنا أن نتحدث عن صفات المنتصرين وكيفية صفاته، فيجب أن نقف طويلا أمام بدر وأحداثها والأشخاص الذين ساهموا فيها، وسنكتشف بشكل تلقائي الأسباب التي قادتنا إلى الهزائم والانتصارات وهذا الواقع المثخن بالأوجاع.

 

لقد استحقّت بدرا أن تكون فرقانا بوصف القرآن الكريم " وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ", وواجبنا أن نتعلم من ذلك الفرقان لكي نغيّر حياتنا وتستقيم أمورنا ونكون أهلا لتنزل نصره علينا, وحضور ملائكته معنا ولكي نستحق مساندة نواميس الكون وآياته الكبرى لنا, فالمنطق يقضي بهزيمة الباطل وتراجع دعاته كما يقول الله تبارك وتعالى"  إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ  ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَمَن يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ".

 

وقد تجسد هذا القضاء الإلهي يوم بدر بشكل واضح وإذا تخلف اليوم ولم يحدث, فالمشكلة فينا نحن، الأصل أن تحل الهزيمة بالطغاة والمحاربين لله ورسوله, فإذا لم يحدث هذا فيجب أن نبحث عن الأسباب، والأسباب حتماً تتعلق بالناس وأخلاقهم ومسالكهم وطبيعة العلاقات التي تربطهم ببعضهم وبمدى التزامهم بآيات القرآن وتوجيهات النبي صل الله عليه وسلم، هذه من أول دروس بدر.

ثانيا: كان الوحي واضحا في رد الأمر كله لله، ورد الإنجاز الكبير لإدارة الله وقدرته، وتعمد القرآن التأكيد على هذا المنطق حتى يتواضع الناس في تقييم أنفسهم وفي الحديث عن إنجازاتهم "فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا، إن الله سميع عليم،  ذلكم وأن الله موهن كيد الكافرين". 

 

صحيح أن قتل كفار قريش تم بأيدي المؤمنين ولكن الحق تبارك وتعالمي يقول لهم، إن الله هو الذي قتل وهو الذي سدد ورمي, وهو درس لتلك الطليعة ولكل من يأتي بعدهم، أن مهارة الانسان وقدراته وخططه, ليست وحدها التي تحسم المواجهات وأن تأثير الجهد البشري ينعدم ويصبح بلا قيمة إذا حدث الاغترار وإذا تصور الإنسان أنه صاحب الإنجاز  وأن أدواته وإمكاناته هي التي صنعت كل شيء.

 

ثالثا: في بدر حضرت الملائكة ومعها آيات كونية كبرى, فعززت معسكر الحق" إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ "," إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ ".. الملائكة، والمطر، والنعاس، والخوف في قلوب الذين كفروا.. كلها آيات سخرها الله لصالح المؤمنين ولتعزيز قدرتهم, لكن هذه الآيات لا تتنزل على من يستحقها, وجزء من هذا الاستحقاق أن يبذل المؤمنين كل جهدهم وأن يقدموا المثال الصادق لما يجب أن يكون عليه المسلم سلوكا وخلقا وإيمانا, وتوكلا على الله وتواضعا له, ولعباده, والملائكة لا تتنزل بالدعاء وحده، ولا يأتي الإمداد الإلهي لوجود أسماء بعينها أو تاريخ بعينه, الامر يتعلق بالسلوك والأخلاص والصدق والشفافية , وهذه العناصر كلها كانت حاضرة يوم بدر وهي التي جلبت الملائكة, والآيات الباهرة الأخرى.

 

رابعا: ما يقرب النصر -قياسا على ما حصل في بدر- وجود قيادة واعية راشدة, ووعي بالواقع وشجاعة وتضحية, تواضع وخلق وجبهة موحدة.. وهذا العنصر يعتبر أساسا لصناعة الانتصار، وهل هناك أعظم من قيادة النبي صلى الله عليه وسلم, وإدراكه للواقع الذي يعيشه, وتقديره لأصحابه وإخوانه, وسنأخذ جانبا واحدا من جوانب القيادة الراشدة التي تصنع النصر, وتكون فأل خير للناس الذين تقودهم فقد خرج النبي يوم بدر لمصادرة تجارة قريش تعويضا عما فقده المسلمون بهجرتهم من أموال وبيوت وعقارات, فلما هربت القاقلة ومضت الأحداث نحو المواجهة، لم يشأ أن يُكره أصحابه على شيء حتى لو كان القتال والجهاد, وكان قادرا وهو النبي الموحى إليه أن يأخذهم في أي اتجاه أراد بكلمة واحدة, لكنه كان يرسي قواعد القيادة الناجحة، وكان يقدم الصورة عن سلوك الداعية الناجح.. "أشيروا على أيها الناس", قالها بعد أن سمع رأي المهاجرين وكررها حتى انبعث الصحابي الكبير والعظيم سعد بن معاذ "كأنك تقصدنا يا رسول الله؟ !"، على اعتبار أن سعدا من الأنصار وكانت بيعة الأنصار مع النبي أن يحموه داخل المدينة, وهم الآن خارجها ولم يشأ عليه الصلاة والسلام أن يكرهم على شيىء, وكلنا يعرف رد سعد المؤثر والملهم.., النبي لا يتعامل مع رعاع أو عبيد يوجههم حيث يريد, مع أنه بينهم وقائدهم وقدوتهم.. هو يحترم عقولهم ومشاعرهم وإنسانيتهم، ولذلك صنع لهم ومعهم كل هذا المجد, صنع لهم ومعهم ما أسماه القرآن  "يوم الفرقان", أما نحن فكيف يتصرف القادة أو الزعماء عندنا؟! وكيف يتعاملون مع الشعوب والأتباع؟ والاجابة هي الفرق الكبير بين صفات القيادة الراشدة يوم بدر وهذا الذي تضج به حياتنا.. هناك وحي وارتباط بالسماء وخشوع وتقوى واحترام للأتباع, وهنا عشوائية وغرور وإعجاب كل ذي رأي رأيه, والتعامل مع الناس على أنه قطيع يُساق حيث يريد القائد والزعيم, فكان من الطبيعي أن تصنع القيادة الراشدة "بدرا الكبرى", وأن نصنع نحن الخيبة والإحباط.

ومع النبي صل الله عليه وسلم وقيادته الراشدة، كان معه طليعة تتلمذت على يديه وفي مدرسته، وقبست من أخلاقه وهديه, فاستحقت شرف تحقيق النصر الكبير على أيديها.. كانت هذه الروح وهذه الاخلاق أهم عوامل حسم المواجهات وقد كان عمر رضي الله عنه, من أهم رموز الانتصار يوصي جنده وهم يقاتلون أعداءهم بالبعد عن المعاصي ويقول لهم إنه لا يخاف عليهم كيد عدوهم بقدر ما يخاف عليهم تسلل المعاصي ويقول لهم إنه لا يخاف عليهم تسلل المعاصي إليهم، فإنهم إذا استووا والكفار في المعصية، وكِلهُم" الله إلى أنفسهم وهم أقل عددا وأضعف عدة فتحيق الهزيمة بهم..!

 

بدر الكبرى كانت إضاءة في تاريخ الامة, ونموذجا في كل شيء، فكانت فرقانا ونصرا ومادة إلهام لكل الأجيال, فمتى سيدرك العرب ذلك ؟!.

التعليقات : 0

إضافة تعليق