غطرسة أمريكا وبلطجة بولتون... توفيق رباحي

غطرسة أمريكا وبلطجة بولتون... توفيق رباحي
أقلام وآراء

توفيق رباحي

مرَّ مرور الكرام في أغلب وسائل الإعلام العالمية ذلك التهديد الموجه من مستشار الأمن القومي الأمريكي، جون بولتون، إلى المحكمة الجنائية الدولية. بولتون حطَّ، في خطاب علني، من مكانة المحكمة وعملها، واعتبرها في حكم الميّت من وجهة نظر بلاده. أكثر من ذلك، هدّد بولتون بفرض عقوبات على قضاة المحكمة، وبمقاضاتهم أمام المحاكم الأمريكية. هذه فعلا قمة الازدراء والاحتقار لواحدة من أكثر الهيئات الدولية احترامًا ونفوذا ـ نظريا على الأقل ـ من القوة الأعظم في العالم، التي كان يُفترض أن تحمي القانون والنظام الدوليين.  صحيح أن المحكمة المذكورة ليست في وضعية مثالية، ولم تحقق ـ بعدُ ـ فتوحات ستفتخر بها العدالة الدولية.

 

لكن هذا ليس ذريعة لازدرائها والبصق عليها. وفي كل الأحوال، لم يكن هذا سبب الموقف الأمريكي الحاقد عليها. ما صدر عن لسان بولتون هو نقل دقيق لما يدور في إدارة الرئيس دونالد ترامب. واللغة المستعملة، الفجّة الخالية من أيّ احترام ولباقة، تليق بشلّة من البلطجية، لا بإدارة تقود أقوى دولة في العالم. هي لغة تقابلها دبلوماسيا لغة ترامب وهو يسرد على العالم، في حضرة ولي العهد السعودي محمد ابن سلمان، الصفقات التي انتزعها من السعودية. وتقابلها تصرفات ترامب في القمم العالمية، وشكل تعامله مع نظرائه وحلفائه ومع المواثيق والاتفاقات الدولية. 

 

صنّفت الولايات المتحدة (وإسرائيل) المحكمة الجنائية الدولية، منذ لحظة ولادتها، في صف الأعداء. والسبب أن هاتين الدولتين هما الأكثر إجراما في حق شعوب العالم، والأجدر بالمساءلة والمحاسبة. إجرامهما يتنوع بين الحروب الدموية المباشرة إلى الحروب غير مباشرة، ثم جرائم اقتصادية وسياسية ومالية وغير ذلك. اختلف الأمر مع الإدارات الأمريكية المتعاقبة في درجة إنكار دور المحكمة الجنائية الدولية والتهرب من التعامل معها. كانت البداية مع جورج بوش الإبن (بولتون كان سفيره لدى الأمم المتحدة) واستمر مع إدارة أوباما، لكنه بلغ مداه مع إدارة ترامب وعبّر عن ذلك بولتون. كان بولتون بذلك التصريح يختفي وراء الزعم في حماية إسرائيل من المحكمة الدولية. لكن الحقيقة التي عجزَ عن إخفائها هي أنه كان يسعى لحماية الجنود الأمريكيين، ومن ورائهم قادتهم العسكريين والسياسيين، من تبعات الجرائم الكثيرة التي اقترفوها وسيقترفونها خارج بلادهم في أراضٍ لا تعنيهم وفي حق شعوب لم تمسسهم بسوء. بولتون ذاته يجب أن تطاله أيدي المحكمة، لو كان العالم سويا عادلا، على حماسه المفرط لحروب أمريكا في العراق وأفغانستان. مهمٌ الانتباه إلى أن «تتفيه» المحكمة الجنائية الدولية وتهديد قضاتها والتطاول عليهم لفظيا، ينسجم مع منطق أمريكي يتبناه الرئيس ترامب منذ وصوله إلى البيت الأبيض. يتجلى هذا المنطق يوميا في الفلتان الإداري والسياسي والعداء المفتعل لأسس النظام العالمي الذي وضعته أمريكا ذاتها لمصلحتها أولاً وأخيراً.

 

لكن أبرز عناوين هذا الفلتان الانسحاب من اتفاقية باريس للمناخ، شنّ حروب اقتصادية على حلفاء طبيعيين، إعلان العداء للأمم المتحدة وقطع التمويل عن هيئاتها («الأونروا» آخر الضحايا). أسعد الناس ببلطجة بولتون عن المحكمة الجنائية الدولية، هم بلا شك البلطجية مثله، طغاة العالم، وخصوصا في المنطقة العربية، وكذلك المجرمون متعددو الأشكال، أفراداً كانوا أم جماعات. وأتعس الناس هم بالتأكيد أولئك الضحايا الذين أصبحوا بعشرات الملايين بين قتلى ومشرّدين وجيّاع وجرحى ومنفيين، بفعل حروب وأزمات لأمريكا يد فيها بشكل ما. كل واحد من هؤلاء، حيثما كان في هذا العالم الفسيح، هو عنوان قصة كان يجب أن تنتهي ملفاً بين أيدي قضاة المحكمة الجنائية الدولية.

 

الآن وقد تأكد العداء الأمريكي للمحكمة الجنائية الدولية، أصبحت الكرة في ملعب العالم أجمع باستثناء إسرائيل ودول معدودة هنا وهناك. العالم مُطالَب بحماية المحكمة والدفاع عنها. هذه المحكمة هي مفخرة العالم في القرن الجديد. وجودها مكسب إنساني وتعبير حضاري عن الرغبة في إرساء العدالة وملاحقة المجرمين، على الرغم من النقائص الفادحة التي تخللها عمل المحكمة. على العالم أن يجتمع ليوفر لنفسه الجرأة السياسية والأدوات القانونية والقضائية وحتى السياسية ليحول دون أن تكون كلمة أمريكا وبولتون هي العليا، وليمنع تحوَّل تهديدات بولتون إلى أفعال.

 

المسؤولية الأكبر تقع على عاتق الاتحاد الأوروبي باعتباره أحد التجمعات الأكثر قوة ونضجا في العالم، وباعتباره الراعي الأساسي للمحكمة، وعلى أراضيه تقع مقراتها ويعيش موظفوها. الصين وروسيا ودول أمريكا اللاتينية، منفردة وكتكتلات، تتحمل نصيبا من المسؤولية يجب عليها إنفاذها. إن اختفاء المحكمة الجنائية الدولية سيكون صفعة قوية للعالم، وهزيمة شنيعة للقيم والمبادئ الإنسانية، ولآمال المظلومين في مختلف الأزمنة والأمكنة، الذين يأملون أن البشرية ستنتصر لهم يوما وتحقق لهم العدالة المنشودة. أي شلل يصيب المحكمة سيكون شيكا على بياض للطغاة والديكتاتوريين بأشكالهم وأنواعهم المتعددة. وهذا آخر ما تريده البشرية وما لا تستحقه.

التعليقات : 0

إضافة تعليق