جميل عبد النبي
كما يقال: الثابت الوحيد في السياسة هو عدم وجود ثابت!! لم نشهد بعد مشاهد سياسية تقول بعكس هذه المقولة التي تشبه النظرية السياسية، حيث من الواضح أن عدم الثبات هو السمة التي تميز السياسة دائما،،، المصالح والتحالفات والخصوم والأصدقاء والسياسات، جميعها يمكن أن تشهد تحولات جذرية بين الحين والآخر.
فيما يخص تطورات الخليج وقطر: لم تتضح الصورة بعد حول ما يحدث في الخليج بين قطر من جهة والسعودية والإمارات والبحرين ودول عربية أخرى من جهة ثانية، وهناك بالتأكيد تكهنات وتحليلات يذهب بعضها في اتجاهات حادة، حول مسار تطور الأحداث هناك، حتى ذهب محللون كبار كعبد الباري عطوان مثلاً إلى توقع غزو عسكري لقطر، ما لم تحدث تحركات في الاتجاه المعاكس، بينما ذهب آخرون إلى القول: بأن المطلوب هو فقط عودة قطر لبيت الطاعة السعودي، بعد أن بدا منها ما هو خارج سياق السياسة الخليجية عموماً أو السعودية على وجه التحديد
أياً ما يكن فإن هذا الحدث الكبير الذي فوجئت به المنطقة صباح العاشر من رمضان لم يأت صدفة، ولم يكن نتيجةً لحدث طارئ أو حتى مجرد تسريب لخط سير أموال داعمة للمتطرفين في ليبيا أو سيناء كما قيل أيضاً في بعض التقارير الباحثة عن معرفة أسباب ودوافع هذه الصدمة الكبيرة، فقطر ومنذ سنوات أتقنت لعبة التدخل في أحداث أكثر من منطقة عربية، وربما ينسب لها ومن خلال قدراتها المالية العالية، التسبب المباشر في تحريك بعض الأحداث الكبرى في المنطقة، بمعنى أن الحديث لا يدور عن دولة مسالمة محايدة تذكرت دول الجوار فجأة أنها بحاجة إلى حصارها، وإنما عن دولة محل جدل كبير، وصاحبة منظومة علاقات غريبة يبدو بينها من التناقض، ما تجعل تخيل إمكانية التوفيق بينها مستحيلاً!!!
فقطر مثلاً: حاضنة لأكبر قاعدة عسكرية أمريكية في المنطقة، وعليه لا يمكن تصورها كعدو للسياسة الأمريكية ، وأيضاً صاحبة علاقات مجانية مع إسرائيل فهي الوحيدة من بين الدول العربية التي تجرأت وأقامتها دون أن تكون من دول الجوار التي تفرض عليها احتكاكات الجغرافيا علاقات من نوع ما مع إسرائيل، ومع ذلك هي داعم كبير لحركة مقاومة فلسطينية(حماس) مصنفة أمريكياً وطبعاً إسرائيلياً كحركة إرهابية!!! ثم قطر داعم كبير لمسلحي سوريا الذين يهددون وجود الدولة السورية ذاتها كما ويهددون المصالح الإيرانية المعنية باستقرار سوريا، وتوسيع نفوذها هناك، ومتهمة في نفس الوقت بأنها داعم لحوثيي اليمن الذين تربطهم بإيران علاقة تفوق مستوى التحالف!!! وهي أيضاً تسعى للظهور كداعم لحق الشعوب في الثورة على استبداد الحكام، ومن ثم مطالبة الشعوب بالحرية والديمقراطية، وهذا ما تحاول أداتها الإعلامية الطولى( الجزيرة) أن تدعو له عبر كل برامجها وأنشطتها، وهي- أي قطر داعمة الديمقراطية!- مجرد إمارة تملكها أسرة تنتمي إلى شكل من أشكال الحكم لا علاقة له بالديمقراطية ولا الحداثة!!!
وفي مصر استطاعت قطر أن تخلق أجواء من العداء ليس مع النظام المصري وحسب، وإنما مع كل فئات الشعب المصري الذي لا ينتمي فلإخوان المسلمين.
نحن إذن أمام دولة مثيرة للجدل، وتتحرك في ميادين كثيرة جميعها ملغومة، وجميعها من شأنها أن تضاعف من حجم أعداء قطر، لكنها في لحظة ما ولأسباب مجهولة ظنت نفسها- رغم كونها أصلاً دولة ثانوية في المنطقة- لكنها لسبب أو لآخر ظنت نفسها قادرة على إدارة هذا الحجم من الأدوار، ومع خصوم كبار، وبالطيع فإن دخول ملاعب الكبار لن يكون بلا ثمن، وفيما يبدو فإن ساعة دفع الثمن قد دقت، خاصة وأن الدول الشريكة في الخطوة المناهضة لقطر، هي أيضا من الدول التي لا يمكن تصور تحركها بمعزل عن الإرادة الأمريكية في المنطقة، ما يشير إلى ضوء اخضر ما التقطته هذه الدول قبل الشروع في خطوتها.
بكلمة أخرى: يمكننا القول بأن دوراً ما كانت تقوم به قطر لم يعد مفيداً، وفي أخلاقيات الساسة الكبار لا يشفع لك ولاؤك القديم لأن تخرج عن سياق ما يريدونه منك، هذا إن لم تكن أيضاً ذات معادلة المصالح هي التي يمكن أن تجعل أمريكا تغض الطرف عن خنق قطر، علماً أنها هي ذاتها- أمريكا- التي أفشلت محاولة قديمة لتدخل عسكري خليجي في قطر لصالح فرع عائلة حمد الثاني الذي كان يحكم قطر قبل الشيخ خليفة جد تميم، ما يعني أن الصمت الأمريكي يمكن أن يعني مجرد موازنة بين المفيد والأكثر فائدة!!!
مصر أيضاً التقطت هذه الفرصة، حيث لم تنس بعد تدخلات قطر السافرة إعلامياً وميدانياً في الشأن المصري الداخلي، إلى حد يمكن أن يهدد وحدة مصر، حيث مصر ليست مستبعدة أبداً من دائرة استهداف ممولي الفوضى في المنطقة!! فتفتيت مصر كان ولا يزال أمنية إسرائيلية على الأقل، التي طالما قالت: أن تفتيت مصر يعني تفتيت العرب، وهي لن تتوانى في تسهيل أي مهمة من شأنها المساس بوحدة مصر،التقت إذن مصالح مصر بمصالح منافسي قطر في التدخلات الخليجية في المنطقة، أيضاً مع مصالح إيران وأطراف أخرى تمثل قطر خصماً غير مرغوب فيه.
مع كل ما سبق، فالسياسة لا تسير وفق خط مستقيم يمكن قراءته مسبقاً، ولعل تطورات مفاجئة أو غير مفاجئة تعيد تحديد مسار التطورات الخليجية وما يمكن أن تؤول إليه الأحداث.


التعليقات : 0