علي الصالح
إذا كانت العقوبات التي فرضتها الإدارة الأمريكية على الفلسطينيين، خلال الأشهر العشرة الماضية ومنها، الاعتراف بالقدس عاصمة لدولة الاحتلال، ونقل السفارة إليها، وعدم الاعتراف باللاجئين كما تصنفهم الوكالات الدولية، وإنهاء «الأونروا» بإيقاف دعمها ماليا، ووقف المساعدات للسلطة المتفق عليها في إطار اتفاق «أوسلو»، ووقف مساعدات مستشفيات القدس، وإغلاق مكتب منظمة التحرير وطرد العاملين فيه إلخ. كل هذه العقوبات تعكس شيئا واحدا وهو ضعف هذه الإدارة الأمريكية، المفترض أن تكون الأقوى في العالم، وقلة حيلتها وخياراتها، وغضبها من الموقف الفلسطيني الصلب الرافض للعودة إلى طاولة المفاوضات، من دون تراجع هذه الإدارة الصهيونية بامتياز عن كل قراراتها التعسفية آنفة الذكر.
وتؤكد هذه العقوبات المتواصلة ضد الشعب الفلسطيني، واستمرار الثالوث الصهيوني/ الأمريكي، كوشنر صهر ترامب- غرينبلات المبعوث الخاص للشرق الاوسط- فريدمان السفير الأمريكي المستوطن في إسرائيل، على أن هذه الإدارة في ورطة، وعاجزة عن النزول عن الشجرة التي تسلقتها في عقوباتها التي تنم عن بلطجة، وتتناقض مع القوانين والقرارات الدولية. وتعكس هذه العقوبات أيضا عدم دراية وجهل في الشعب الفلسطيني، الذي فشلت كل تهديداتها وعقوباتها في إرضاخه، وكلما زاد إحساسها بالعجز والإحباط بحثت عن عقاب جديد.
هذه الإدارة عاجزة حتى الآن عن إعلان ما يسمى بـ»صفقة القرن» التي وضع خطوطها العريضة بنيامين نتنياهو قبل أن يناقشها في الرياض في أكتوبر/تشرين الأول الماضي جاريد كوشنر مع محمد بن سلمان ولي العهد السعودي، الذي قبل بها لضمان رضا البيت الأبيض وقبوله له، وللإجراءت التعسفية التي اتخذها ضد عدد من الأمراء بحجة محاربة الفساد. كان ذلك طبعا عندما كان صاحب القول الفصل في مثل هذه المسائل، وقبل أن يبعده عن هذا الملف، والده الملك سلمان، الذي رفض تسرع نجله واختار الإبقاء على الموقف السعودي التقليدي.
هذه الإدارة عاجزة عن تسويق الصفقة، التي طالما تحدث عنها الثالوث الصهيوني، وأوهمونا بأن أحلافا جديدة على وشك التشكيل يقف فيها عرب الخليج، وعلى وجه الخصوص السعودية والإمارات، مع إسرائيل في مواجهة «البعبع الإيراني»، فحتى القادة العرب الذين تحمسوا لها في البداية تراجعوا عن حماسهم، وأصبحوا في تصريحاتهم، على الأقل في الوقت الحالي، يلتزمون بالقرار الفلسطيني المتمثل بحل يؤدي إلى دولة فلسطينية ضمن حدود 1967، وعاصمتها القدس الشرقية. وتؤكد عجز واشنطن عن إيجاد الشريك الفلسطيني الذي يقبل بشروطها وطروحاتها وخططها للتسوية السياسية.
وهذا يفسر تصريحات نسبت لمسؤولين في الإدارة الأمريكية حول إمكانية تحسين العلاقات مع الفلسطينيين، وربما لهذه الأسباب يسعى رجل الأعمال ترامب الذي يرفض الهزيمة، للقاء الرئيس أبو مازن على هامش جلسات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك. غير أن أبو مازن رفض حتى الآن تلبية الطلب، رغم تدخلات من الرئيس السيسي والملك عبد الله الثاني. وهذا ليس استنتاجا، بل أكدته لي مصادر مطلعة، ويؤكده أيضا ما قاله لصحيفة «نيويورك تايمز»، كوشنر نفسه الذي يرى أن «رأب الصدع» بين واشنطن والفلسطينيين لا يزال ممكنا». ويقول «في أي مفاوضات شاركت فيها (لم يشارك حتى الآن بأي مفاوضات سياسية وربما يتحدث عن صفقات تجارية، وحتى هذه كانت صفقات فاشلة بمعظمها) الناس كانوا دائما يقولون (لا) قبل أن يقولوا (نعم)». وأضاف استنادا إلى خبرته في عقد الصفقات أنه لم تربكه مواقف أبو مازن المتشددة حيال واشنطن، التي عزاها جزئيا إلى اعتبارات سياسة فلسطينية داخلية، «إذا كان عباس زعيما حقيقيا، فإنه سيدرس الخطة الأمريكية بعناية بعد كشف النقاب عنها».
وبناء على ذلك نقول للمشككين والطابور الخامس الذين يحاولون بث روح اليأس في أوساط الفلسطينيين والحديث عن أن صفقة القرن مطبقة عمليا وقائمة على الأرض، أن أهم حقيقة من مجمل حقائق مثبتة، أن الشعب الفلسطيني هو صاحب القرار في تقرير مصيره، والقبول بالحل الذي يراه مناسبا، وليس ترامب وجوقته أو نتنياهو وحكومته الفاشية العنصرية. حقيقة ثانية وهي أن ما لا يريده الشعب الفلسطيني لا يمكن أن يمر، حتى إن عكست مجريات الأمور في الوقت الحاضر غير ذلك. فهذا الشعب على مدار قرن من الزمن أفشل كل المحاولات التي حيكت ضده، بهدف إخضاعه للقبول بحلول يرفضها.
حقيقة ثالثة أنه خلال مشوار البحث عن بديل فلسطيني، أدركت هذه الإدارة أنه لا يمكن لأي فلسطيني، بل لا يستطيع أي فلسطيني مهما بلغت درجة خيانته، أن يقبل بـ «صفقة القرن» التي تتنكر للقدس ومقدساتها واللاجئين والحدود، ناهيك عن شعب مثل هذا الشعب الذي أكدت آخر استطلاعات الرأي رفضه لعودة الحوار مع هذه الإدارة من دون تراجعها عن قراراتها وعقوباتها. وواهم من يعتقد أن قطع أموال عن الشعب الفلسطيني يمكن أن تساعد على تركيعه وإثباط عزائمه ودفعه نحو اليأس وفقدان الأمل. ومخطئ من ينظر إلى الشعب الفلسطيني وكأنه قطيع من الأغنام يمكن قيادته بعصا راع وكلب حراسة. ومخطئ أيضا من يعتقد أن هذا الشعب الذي صمد لمئة عام وعام، ولم تنل من عزيمته وإصراره على البقاء وتقديم التضحيات لتحقيق حقوقه الوطنية، عشرات المؤامرات الدولية والعربية في القرن العشرين، يمكن أن يركع للضغوط والتهديد أو الوعيد في القرن الواحد والعشرين. فكما أفشلها في الماضي فإنه حتما سيفشلها في الوقت الحاضر. وواهم أيضا من يعتقد أنه يمكن ابتزاز هذا الشعب ودفعه للتنازل عن حقوقه ممثلة بإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية مقابل حفنة من المساعدات أو الدولارات.
ونذكّر بأن هذا الشعب وبمجرد الشعور بوجود مؤامرة ضد قضيته، فإنه وبحس عفوي يتحرك لمواجهتها وإحباطها. حصل ذلك عندما أحس الشعب الفلسطيني في ثمانينيات القرن الماضي، بمؤامرة دولية، عربية في واجهتها، تحاك لشطب قضيته ممثلة بمنظمة التحرير الفلسطينية، فابتدع عام 1987، انتفاضة الحجارة التي فرضت قضيته مجددا على الخريطة السياسية. وشعب كهذا قادر على مواجهة المؤامرة الحالية ـ على أن لا نقلل من شأنها وخطورتها ـ بابتكاره أدوات نضال جديدة والبشائر نراها في قطاع غزة. وبعد أن فشلت محاولاتهم هذه على الأقل في الوقت الحاضر في تحريك الأمور كما تشتهي سفنهم، راحوا يروجون كذبة أن القضية الفلسطينية لم تعد جامعة للعرب، كما أعوام التسعينيات، وأن الولاءات والتحالفات اختلفت بغرض دق الأسافين، وأطلقوا العنان لعملائهم للترويج لها. كما راحوا يروجون لكذبة أن «صفقة القرن» نفذت على الأرض وأنه لم يبق شيء للفلسطينيين يتفاوضون عليه. ولو كان هذا هو الحال لما فرضت هذه الإدارة عقوبات جمة على الشعب الفلسطيني لإرغامه على القبول بحلولها،
وأخيرا فإن قضية فلسطين لن تموت طالما بقي فلسطيني واحد على أرضها. ونقول للمشككين والمتأسرلين، إن نسوا، بأنه ليس هناك فلسطيني واحد بل أكثر من 12 مليون فلسطيني، والعدد يتزايد، ونصفهم صامد على أرضهم، ولن يقبل بهجرة قسرية ثانية أو ثالثة، كما حصل في الماضي. وهو ما يسعى إليه قطعان المستوطنين، ومن ورائهم جيش الاحتلال وحكومته، بالاعتداءات المتكررة على القرى القريبة من المستوطنات، لحملهم على الرحيل وتهجير سكان منطقة بادية القدس، ممثلة بقرية الخان الأحمر بقرار من المحكمة الإسرائيلية العليا التي أثبتت مجددا تساوقها مع الاحتلال. وعجبي ممن يلجأ إلى ما يسمى بالقضاء الإسرائيلي. واختتم بتذكير المشككين والمتأسرلين، إن نسوا مرة ثانية، أن صفقة القرن مرفوضة دوليا، وهي فقط صفقة ترامب وثالوثه الصهيوني، ولا يقبل بها سواهم ونتنياهو ولا ننسى طبعا غواتيمالا. والأهم من هذا وذاك أن صمود الشعب الفلسطيني على أرضه وتزايد عدده، هو سلاحه النووي، ولا تهم الحدود خاصة ان الحرب مع العدو الصهيوني هي حرب وجود لا حدود.


التعليقات : 0