هل نحتاج الأمم المتحدة؟... أحمد مصطفى

هل نحتاج الأمم المتحدة؟... أحمد مصطفى
أقلام وآراء

أحمد مصطفى

يشهد المقر الرئيسي لمنظمة الأمم المتحدة هذه الأيام نشاطا سنويا معتادا مع انعقاد الدورة 73 للجمعية العامة للمنظمة. ويبدأ من اليوم إلقاء كلمات رؤساء وفود أعضاء الجمعية حيث تعرض كل دولة ما تراه متعلقا بقضاياها وما يرتبط منها ببقية دول المنظمة أو بالعالم.وفي مثل هذا الوقت من كل عام تنعقد الجمعية العامة، وهي أشبه بالاجتماعات الدورية لمنظمات إقليمية وعالمية أخرى ـ وللتقريب نقول مثل “جامعة الدول العربية”. ورغم أن موظفي المنظمة الدولية يبذلون جهدا طوال العام لوضع جدول أعمال واختيار قضية أو أكثر لتكون محور “القمة العالمية” السنوية (بالضبط كما تفعل سكرتارية جامعة الدول العربية مثلا حيث تعد البيان الختامي للقمة العربية قبل انعقادها) إلا أن الحفل السنوي لا يسفر عن شئ ملموس في الواقع. وربما يهتم الإعلام بخطاب لرئيس جديد في بلد مهم يكون خطابه في الجمعية العامة “أول رسالة له للعالم” أو بما سيقوله أحد زعماء الدول الكبرى حول قضية ساخنة. لكن في النهاية لا يعدو الأمر مجرد الكلام.

 

طبيعي أن هذا هو حال الجمعية العامة للأمم المتحدة، التي يلجأ إليها كل من لا يستطيع استصدار قرار من مجلس الأمن” وقرار الجمعية غير ملزم للأعضاء ولا يحمل أي قوة ذات مغزى سوى أن “يسجل العالم موقفا” بالكلام أيضا. وحال كثير من منظمات الأمم المتحدة لا يختلف كثيرا عن وضع الجمعية العامة : مجرد بيروقراطية مكلفة بلا انجاز كبير واضح. حتى مجلس الأمن، الذي يهيمن عليه الخمسة الكبار في العالم بقدراتهم النووية وحق النقض (الفيتو) لم يعد ذا مغزى في السنوات الأخيرة ولم تعد قرارته مهمة إلا إذا كانت تمثل مجرد غطاءا قانونيا دوليا لقوة كبرى (أو قوى في بعض الأحيان) للقيام بعمل خارق للقانون ومنتهك للسيادة حماية لمصالحها. والواقع أن دور المنظمة الدولية الرئيسية، وهو حماية النظام العالمي للعلاقات بين الدول ذات السيادة وتعزيز الأمن والسلم الدوليين والدفع باتجاه التنمية وتطور البشرية، يتراجع بشدة منذ نهاية القرن الماضي وبداية القرن الحالي. وخلص البعض إلى أن الأمم المتحدة فقدت قدرا كبيرا من أهميتها بنهاية الحرب الباردة، باعتبارها كانت “هامش الأمان الدولي لتجنب حرب عالمية ثالثة”. لكن تلك الخلاصة كانت تستند إلى أن العالم بصدد “نظام عالمي جديد” وكأنه سيتم صوغه وفرضه بسرعة لمجرد التصريح بشأنه.

 

لم يتوصل البشر بعد إلى “نظام عالمي جديد” وها نحن في فترة انتقالية تقترب من أربعة عقود والنظام العالمي في طور التشكل ويشهد صعودا وهبوطا للاعبين جدد إلى جانب القوة العظمى الوحيدة الآن ـ الولايات المتحدة ـ فيما تحاول الأمم المتحدة أن تحافظ على وجودها. وحاولت المنظمة الدولية بنهاية القرن الماضي أن تسهم فيما يجري وكأنها فاعل مهم في النظام الدولي لكنها محاولات لم تسفر عن شئ. من ذلك تبني الأمم المتحدة لتيار صاعد على هامش أنظمة الدول هو “المنظمات غير الحكومية”، وكانت المشكلة أن الأمم المتحدة هي مؤسسة دولية للحكومات وليس لهؤلاء “النشطاء” حتى لو كانوا يخدمون أغراضا لبعض القوى الدولية. ولعلنا نتذكر المحاولة الشهيرة للأمين العام الراحل كوفي عنان لإعادة صياغة مفهوم السيادة للدول متأثرا بدعوات منظمات غير حكومية لتقنين “التدخل العابر لحدود الدولة الوطنية” دفاعا عن حقوق إنسان أو ما شابه من مجالات نشاط المنظمات غير الحكومية. لكن تلك المحاولات كان لها نتائج سلبية إلى حد ما من قبيل “تمييع” دور المنظمة الدولية المتراجع أساسا منذ نهاية الثماينيات.

 

وتظل منطقتنا ـ المسماة غربيا “الشرق الأوسط” ـ النموذج الأكثر وضوحا على تراجع المنظمة الدولية والتي تبدو جهودها في ليبيا واليمن مثلا غير فاعلة إن لم تكن معوقة وتسهم في استمرار الأزمة. وتلك فقط مجرد نماذج على ما قد يفسره البعض بحاجة بيروقراطية المنظمة الدولية لمبرر وجود بأن تعمل عمل شركات الأدوية “مادة لا تدع المرض يقتل المريض ولا تشفيه منه فيظل بحاجة للدواء”.وينسحب ذلك على كثير من منظمات الأمم المتحدة في كافة المجالات، وليس فقط دورها في النزاعات المسلحة أو الصراعات الإقليمية. لكن، ورغم كل ذلك، ومع أنه تصعب الإجابة على السؤال في العنوان بالحسم إيجابا أو سلبا أعتق أنه ما زالت هناك حاجة لمثل تلك المنظمة الدولية ـ على الأقل حتى يتشكل نظام عالمي جديد ويعيد هيكلتها في ضوء متطلباته الجديدة أو يستبدها تماما بمؤسسة تناسبه. لكن الأرجح أن مثل هذه المؤسسة العالمية الهائلة لن تموت تماما، حتى وإن ظلت كأرشيف مرجعية للعديد من الشؤون الدولية.

 

وحتى ذلك الحين، لا ضرر من الكلام والوثائق واللجان والقرارات والمبعوثين والمفوضين ولنتابع كل عام القمة العالمية السنوية في الجمعية العامة.وحتى لا يسئ البعض تفسير كلامي، فهناك بعض منظمات قليلة تابعة للأمم المتحدة تقوم بجهود عملية على الأرض عبر مشروعات مساعدات تنموية أو تخفيف معاناة للمتضررين من نزاعات وكوارث. صحيح أن قدرا كبيرا من ميزانيات تلك المشروعات يذهب للإنفاق على بيروقراطية المنظمة، لكن هناك قدرا يفيد الكثير من البشر.

التعليقات : 0

إضافة تعليق