بقلم: تيسير الغوطي
تتسارع الأحداث التي تزيد من تضييق الخناق على غزة وشعبها المرابط والمقاوم، ويزداد المتربصون بها والمتكالبون عليها عددا وأفعالا تآمرية لإسراع الإيقاع بها استسلاما ورضوخا للكيان الصهيوني ورغباته، وفي نفس الوقت يزداد بعدا الأمل في انجاز مصالحة وطنية فلسطينية تجمع الكل الفلسطيني على طريق التحرر والاستقلال من نير الاحتلال وظلمه وعدوانه، وتزداد الهوة اتساعا بين طرفي الانقسام الفلسطيني البغيض، تلك الهوة التي ينفخ فيها لتأجيج نارها العدو الصهيوني بكل ما أوتي من مكر ودهاء، وبعض العرب والفلسطينيين بقلة وعي وغباء ان أحسنا الظن في أفعالهم وتصرفاتهم، أو بعمالة وتبعية للكيان الصهيوني ورغباته الإجرامية ان أسأنا الظن في تلك الأفعال والتصرفات.
لا شك ان فلسطين أرضا وشعبا وقضية تواجه عدوانا ظالما من عدو مجرم وعنصري استكباري، متسلح بكل أدوات البطش والإجرام، ومدعوم بأعتى القوى الاستكبارية الظالمة، يمارس بطشه وظلمه ضد كل ما هو فلسطيني وضد كل أبناء الشعب الفلسطيني على اختلاف طوائفهم وألوانهم السياسية والفكرية، ومثل هذا العدو لا يمكن مواجهته الا بالكل الفلسطيني بعد تجميع كل الإمكانيات والطاقات الفلسطينية في بوتقة واحدة وباتجاه بوصلة واحدة، لذا فإن على الكل الفلسطيني وبخاصة طرفي الانقسام البغيض حماس وفتح ، السعي الجاد نحو ذلك الهدف السامي حتى نستطيع التقدم باتجاه هدفنا الأساس والمتمثل في الحرية والاستقلال، وأول الخطوات لذلك ان ينزل كلا الطرفين درجة عن شجرة الشروط والاشتراطات التي تشكل عقبات كأداء في طريق المصالحة الوطنية ، خاصة وأن كليهما يؤكد صباح مساء حرصه التام على الوحدة الوطنية والثوابت الفلسطينية ومصالح الشعب الفلسطيني .... الخ.
ان الحرص على الوحدة الفلسطينية والشعب الفلسطيني وكرامته يفرض دعمه بكافة السبل والأشكال لتفادي (تقليل) الاثار المترتبة على جرائم الاحتلال، ويمكنه من الإعداد لمواجهة الاحتلال وجرائمه، وهذا الدعم للشعب الفلسطيني والذي يشكل في نفس الوقت خدمة للقضية الفلسطينية والثوابت الوطنية لا يكون باقصاء طرف لآخر، وتفرد طرف دون طرف بالقرار وتوجيه البوصلة وشطب الآخرين ، وإنما بالتعاون وتجيع كافة الطاقات والإمكانات التي يزخر بها شعبنا الفلسطيني وقواه الحية المجاهدة، وفي هذا السياق يستغرب المراقبون والمهتمون بالشأن الفلسطيني من التصريحات والتسريبات الإعلامية والتي تفيد بمجملها ان السلطة الفلسطينية برام الله وأحد طرفي الانقسام بصدد إقرار مزيد من العقوبات والضغوطات على اهل قطاع غزة ، فقد قالت مصادر فلسطينية مطلعة 19/9/2018 لصحيفة الشرق الأوسط اللندنية ان الرئيس محمود عباس على وشك اتخاذ قرار بوقف تمويل قطاع غزة كليا بما يشمل وقف تمويل الخدمات الصحية والتعليمية والكهرباء وحتى البنوك ومعاملاتها المالية، وبحسب تلك المصادر فان قرار قطع التمويل عن قطاع غزة قد يتخذ في أي لحظة، ويدخل حيز التنفيذ مباشرة.
هذه التهديدات وأمثالها لا يمكنها ان تدفع باتجاه طريق الوحدة الفلسطينية والتجميع لكافة المكون الفلسطيني، وإنما تدفع باتجاه تعميق الانقسام الفلسطيني، ومزيد من التفتيت والتشظي للجهد والقدرات الفلسطينية، وفي الوقت الذي تبرر به التصريحات الإعلامية تلك العقوبات بالحرص على الوحدة الفلسطينية ودعم الثبات على الثوابت الوطنية ، والتصدي لصفقة القرن التي تحاول الإدارة الصهيوأمريكية بواشنطن فرضها على الفلسطينيين والمنطقة.
المستغرب والغريب كيف يقنع أصحاب القرار في السلطة الفلسطينية أنفسهم ويحاولون إقناع الآخرين من أبناء الشعب الفلسطيني بأن فرض مزيد من العقوبات على أبناء قطاع غزة لاختلافهم مع السلطة الحاكمة في القطاع والتي لا تؤدي إلا إلى مزيد من الإذلال والقهر لأبناء الشعب الفلسطيني في القطاع, ستؤدي إلى تعزيز الوحدة الوطنية ودعم أبناء الشعب الفلسطيني في مواجهة الاحتلال الصهيوني وجرائمه، أو كيف ستؤدي هذه العقوبات وفرض المزيد منها لإعادة قطاع غزة إلى الحضن الوطني بدلا من التهدئة التي تسعى إليها حماس مع الكيان الصهيوني بوساطة مصرية والتي ستقود حسب وجهة نظر أصحاب القرار في السلطة الفلسطينية إلى تطبيق صفقة القرن عبر فصل وعزل القطاع عن السلطة.
ان فرض العقوبات على أبناء قطاع غزة والتهديد بفرض المزيد منها تكون أكثر شدة وقسوة ومثله تماما الإصرار على إلغاء سلاح المقاومة وكافة شروط السلطة والتي تعني التفرد والإقصاء للآخر بل وشطبه ونفيه من الوجود، تناقض تماما ما أوضحه عضو اللجنة المركزية لحركة فتح د. محمد شتيه الاثنين 24/9/2018 من «أن استراتيجية القيادة الفلسطينية هي تعزيز صمود المواطنين ، وأن الجهود الساعية لفصل قطاع غزة إنما تنسجم مع المنظور الإسرائيلي- الأمريكي», كما ان العقوبات لا يمكنها بحال من الأحوال ان تكون خطوات على طريق الوحدة الوطنية الفلسطينية ، أو دعم أبناء الشعب الفلسطيني في مواجهة الاحتلال الصهيوني وجرائمه، وإنما خطوات تدفع باتجاه تعميق الانقسام في الصف الفلسطيني، وباتجاه دفع قطاع غزة والسلطة الحاكمة فيه إلى خيار الحرب لتدمير كل مقومات القوة فيه، وليعيش من تبقى فيه على قيد الحياة عبدا ذليلا للرغبات والأجندة الصهيونية، وباتجاه تطبيق صفقة القرن عبر فصل قطاع غزة عن الوطن الفلسطيني.


التعليقات : 0