هشام منور
بعد مرور ربع قرن على توقيع منظمة التحرير الفلسطينية مع الاحتلال الإسرائيلي على إعلان مبادئ، حول ترتيبات الحكم الذاتي المرحلي، أو ما يُعرف بـ»اتفاقية أوسلو»، تبدو المؤشرات والدلائل متوافقة على اقتراب الاتفاقية سيئة الصيت من انتهاء صلاحيتها ومفعولها، لتدشين عهد جديد من التنازلات العربية والإقليمية لم تشهدها القضية الفلسطينية من قبل. لم تتضمن «أوسلو» حينها إنهاء الاحتلال، أو الاستيطان، أو أيّ ذكرٍ لقيام دولة فلسطينية، فالفترة الانتقالية التي كان يجب أن تستمر خمس سنوات، من 13 سبتمبر/أيلول 1993، وتنتهي عام 1999، أصبحت مسرحاً مستداماً لاستنزاف التنازلات الرسمية من قبل السلطة من جهة، والدول العربية من جهة أخرى.
إثر توقيع «اتفاقية أوسلو» عام 1993، توالى توقيع اتفاقيات عدة لا تقل كارثية عنه، لكنها أقل صيتاً، وهي «اتفاق أوسلو 2» – القاهرة مايو/أيار 1994، «اتفاق طابا» – 28 سبتمبر 1995، اتفاقية واي ريفر 23 أكتوبر/تشرين الأول 1998، مذكرة تفاهم شرم الشيخ سبتمبر1999، اتفاقية الحركة والعبور 15 نوفمبر/تشرين الثاني 2005، تفاهم مشترك حول المفاوضات أنابوليس/ مريلاند 27 نوفمبر2007. أوسلو لم تنجح في تجاوز العقبات الأربع المتمثلة في إبرام أي حلّ نهائي بالنسبة للموقعين عليها، الحدود واللاجئين والاستيطان والقدس، إلى المفاوضات الأخيرة التي لم تأت بعد، بل نجحت في تذويب هذه الملفات خلال السنوات الماضية عبر تهويد ممنهج للقدس، وتضاعف الاستيطان والمستوطنين، والسيطرة على كل مصادر المياه الجوفية، ببناء جدار الفصل العنصري، أو إقامة مستوطنات جديدة عليها.
وجّهت الإدارة الأمريكية الجديدة ضربات قاضية لملفات الحلّ النهائي، عبر الاعتراف بالقدس المحتلة عاصمة لإسرائيل ونقل سفارتها إليها، ومحاولات إزاحة ملف اللاجئين عن طاولة المفاوضات، عبر إنهاء عمل وكالة «أونروا»، وشرعنة الاستيطان باعتباره «مشاريع إسكانية»، ما جعل كبير المفاوضين الفلسطينيين صائب عريقات يردد قائلاً «أصبحنا سلطة بلا سلطة واحتلالاً بلا كلفة». بعد ربع قرن على أوسلو، فإن الأعمال بنتائجها وآثارها، والنتائج الماثلة أمامنا لا مجال للخطأ في الحكم عليها بأنها كارثية، إذ بات السلام أبعد مما كان، وبتنا أقرب بكثير إلى إقامة «إسرائيل الكبرى» من تجسيد الدولة الفلسطينية.
«فخ أوسلو» الذي لم تنجح السلطة في الإفلات من تبعاته حتى اليوم، أو التمرد عليه بعد الوقوع بين أنيابه، كان اتفاقاً انتقالياً وخطأً تاريخياً وقعت فيه القيادة الفلسطينية، ولا حل إلا بالخروج منه كليّاً. لقد كان الأداء الفلسطيني السياسي الداخلي لا يقل كارثية، حيث أعطت القيادة الفلسطينية الأمن والتنسيق الأمني المنصوص عليه في الاتفاقيات، أولويات على مستوى العمل والموازنة، فموازنة الأمن الأعلى في الموازنة الفلسطينية بنسبة تبلغ 27% مقارنة بواحد في المئة للزراعة.
تعاقب على دولة الاحتلال خلال المرحلة الماضية 10 حكومات إسرائيلية، بينما لم يشهد الفلسطينيون سوى رئيسين فقط حتى الآن، هما الرئيس الراحل ياسر عرفات الذي استشهد عام 2004، والرئيس الحالي محمود عباس الذي انتهت ولايته منذ سنوات، ومجلس تشريعي معطل منذ 2007.
الاحتلال الإسرائيلي نجح في غضون ربع قرن في إحداث تغييرات جوهرية على الأرض والسكان في الضفة الغربية، بما فيها القدس، جعلت حلم الفلسطينيين في قيام دولة لهم أمراً مستحيلاً. فبينما كانت أعداد المستوطنين في الضفة الغربية عام 1992 لا تزيد عن 200 ألف مستوطن، وصلت اليوم إلى 450 ألفاً، وهذا لا يشمل القدس الشرقية المحتلة، التي ارتفعت أعداد المستوطنين فيها من 153 ألف مستوطن، إلى 220 ألف مستوطن.
كما بنت حكومات الاحتلال المتعاقبة عدداً من المستوطنات، من أشهرها مستوطنة جبل أبو غنيم المعروفة بـ»هارحوما» جنوب القدس عام 1996، التي عزلتها عن مدينة بيت لحم. وانتقل الثقل الاستيطاني إلى قلب الأحياء الفلسطينية المحيطة بالبلدة القديمة، خاصة في راس العامود، الشيخ جراح، جبل الزيتون، وجبل المكبر.
أما في الضفة الغربية، فقد أقام الاحتلال عشرات البؤر الاستيطانية الضخمة، وازدادت وتيرة الاستيطان في مختلف مناطق الضفة، ولم تقتصر على البناء في الكتل الاستيطانية والمناطق المعزولة حولها، بل لوحظ توغل الاستيطان في مناطق الأغوار، ومنطقة «ج» التي تقدر مساحتها بـ62 في المئة من أراضي الضفة. لم ينس الاحتلال عزل وحصار الضفة، بعد حصاره غزة، فشرع بإقامة بنية تحتية في أراضي الضفة الغربية، منفصلة عن مثيلتها في الجانب الفلسطيني، إضافة إلى الأمر العسكري رقم 50 لسنة 1980 القاضي بإقامة شبكة معقدة من الطرق العرضية والطولية، تتحول فيها كل التجمعات الفلسطينية إلى غيتوات، وعرفت بالطرق الالتفافية، ويمكن ملاحظة كيف أن الربط بين جميع هذه التجمعات يتمّ من خلال الأنفاق، وتحيط بها من جميع الجهات المستوطنات اليهودية، التي ساهمت في تحقيق العزل بين المدن الفلسطينية.
إقامة جدار الفصل العنصري في الضفة الغربية الذي اقتطع أكثر من 10 في المئة من أراضيها، وإقامة مئات الحواجز العسكرية ونقاط العبور، إضافة إلى عزل القدس عن الضفة الغربية عزلاً تاماً، وعزل الضفة الغربية عن فلسطين التاريخية، جعل حركة التنقل للفلسطينيين رهناً بقرار جيش الاحتلال.
بعد ربع قرن على أسوأ اتفاق يمكن أن يوقعه طرف لاسترداد حقوقه التاريخية، يحق للشعب الفلسطيني أن يسائل قياداته وسلطته «الوطنية» عما أنجزوه له خلال الفترة الماضية، فإذا كانت الأمور بخواتيهما ونتائجها، فلا أقل من أن يتحمل من خان العهد والأمانة.. مسؤولية تفريطه بما كان حتى وقت قريب في أيدينا، وبالمقابل، لا عجب أن يسعى الاحتلال وواشنطن إلى وأد الاتفاق بصفقة تصفية للقضية وقياداتها!


التعليقات : 0