ثابت العمور
التوتر المتدحرج صوب الأزمة في العلاقات البينية الخليجية ليس جديداً ولا متغيراً مستحدثاً، فالأصل في هذه العلاقات هو الشد والجذب، وحيثيات ذلك اكبر من أن تعد أو تحصر، ولست بصدد التعرض للمناوشات حد الاشتباكات بين الأشقاء والتي على مدار أكثر من ربع قرن لم يفلح مجلس التعاون الخليجي في مواجهتها أو التصدي لها وتقريب وجهات النظر أو حتى إيجاد أرضية مشتركة، وذلك لسبب بسيط أن هذه الممالك محكومة بنظرة غربية مفادها أن هذه الأرض بقرة حلوب لا يمكن التفريط بها، بالمناسبة يحضرني أيضا أن العلاقة بين ممالك الخليج وجمهوريات القومية العربية أيضا لم تكن يوما على ما يرام وكانت دائما محكومة بالتوتر، مرة أخرى لست بصدد التعرض لمسارات العلاقات البينية لممالك الخليج العربي، ولكن تاريخيا وبالتجارب المتعددة لم تنج القضية الفلسطينية ولا مرة من تبعات متغيرات الخليج العربي، بل لا نبالغ إذا قلنا بأن القضية الفلسطينية كانت دوما في دائرة الاستهداف، بمعنى ان ما يحدث في ممالك الخليج يستهدف فلسطين سواء بشكل مباشر او غير مباشر.
ويستحضرني في هذا الموضع دراسة قدمها الدكتور فتحي الشقاقي في 25 ابريل 1991 وكانت بعنوان «حرب الخليج والقضية الفلسطينية» ويقول فيها الشقاقي رحمه الله: « لقد أصبح واضحاً أكثر فأكثر في المنطقة ، قلة الاهتمام بمصير الفلسطينيين ومستقبلهم وبما يعانونه من اضطهاد يهودي، لقد حاول بعضهم عبر وسائل إعلام فاسدة ومشتراة أن ينزع عن القضية الفلسطينية نقاءها وطهارتها وسموها في ضمير وقلب قطاعات من الأمة....
ويضيف: «بدأت بعض الدول والأنظمة العربية إعادة النظر في موقفها من الدولة اليهودية ودورها الإقليمي. فالشعور السابق بأنها دولة توسعية وعدوة يتحول اليوم إلى شعور بأن هناك مصالح مشتركة تجمع الطرفين وأن الدولة اليهودية يمكن أن تلعب دورا ايجابيا ومفيدا في استقرار وبقاء هذه الأنظمة، وفي استقرار علاقاتها مع الولايات المتحدة.. وقد تقوم السعودية والكويت على سبيل المثال بإيقاف العمل بإجراءات المقاطعة الاقتصادية ضد الكيان الصهيوني».
ترى لو قدر للشقاقي العيش حتى هذه اللحظة، اللحظة التي تتوتر فيها العلاقات الخليجية بذريعة دعم القماومة الفلسطينية عموما وحركة حماس على وجه التحديد، انا متفق تماما بأن الشقاقي كان رحمه الله ذا بصر وبصيرة وكان يقرأ المشهد الاقليمي جيدا، لكننا جميعا والشقاقي معنا لم نكن نتوقع في أسوأ الاحوال ان تتهم المقاومة الفلسطينية من على منبر الرياض بالارهاب، ولم يكن يعلم جهابذة السياسية ان يصبح دعم حماس والمقاومة الفلسطينية جريمة، ولم نكن ندرك كفلسطينيين ان المرور الخليجي الى تل ابيب يقتضي العبور على اشلاء الفلسطينيين. ومرة اخرى لا اريد كيف افضت حرب الخليج الى ان اصبحت التسوية السلمية ممرا اجباريا لمنظمة التحرير الفلسطينية، والآن لن تمر هذه الأزمة دون دفع الثمن المطلوب من الفلسطينيين وهو رأس القماومة الفلسطينية ولم يعد الأمر خافيا او سرا ولم يعد البعض خجلا حتى من ذلك، واتهمامات وزراء خارجية بعض ممالك الخليج لا زالت حاضرة.
إن أزمة الخليج الحاصلة الآن تقتضي حكمة فلسطينية في التعاطي مع الحيثيات، وليعلم صانع القرار الفلسطيني ان رأسه هو المطلوب، وان تجريب اعادة الاصطفاف الان وفي هذا الوقت الحرج ستكون تبعاتها خطيرة وكبيرة، وتجربة الشهيد ياسر عرفات في ذلك لا زالت حاضرة وماثلة عندما انحاز للعراق، رغم ان ما فعله العراق لم تفعله ولن تفعله أي دولة خليجية سواء كانت في محور عمرو او محور زيد.
لا نمتلك أن نقف مع قطر ضد السعودية وبالمقابل لا نمتلك ان نقف مع السعودية ضد قطر، هات هازمة لا ناقة لنا فيها ولا جمل، ومخرجاتها كلها تخدم العدو الصهيوني سواء كان الأمر مباشرة أو بطريقة التفافية، نحن ننحاز لمن يقف بجانبنا معنا يتبنى حقنا ويدعم مقاومتنا وصمودنا وصبرنا، بعض الدول التي تراهن على موقف فلسطيني متهمة بتسهيل تهريب عقارات فلسطينيين في القدس، حتى موقفنا كفلسطينيين لم يعد موقفا واحدا فالانقسام لم يدع لنا حضورا أو موقفا أو تمثيلا فلسطينيا واحدا ورغم ذلك فإننا في موقفنا أيضا من الأزمة الخليجية ورغم إدراكنا بأننا في دائرة الاستهداف إلا أن مواقفنا اختلفت ولم نكن على قلب رجل واحد حتى في الموقف من نفس القضية، لأننا بتنا محكومين بضيق الأفق وبمصالح أنية ضيقة.
إذا اقتربنا من الخليج سيغضب بعض الخليج، وفي علاقتنا بطهران متهمون رغم أن الخليج لم يقدم بديلا، ثم هل من حق دول الخليج أن تغضب من الاقتراب من محور طهران فلسطينيا، أوليس من حقنا كفلسطينيين أن نغضب من مبادرة السلام العربية ونطالب على الأقل بسحبها أو التلويح بسحبها!، من يريد بناء محور جديد عليه أن يقدم البدائل وان يحرص ألا تكون إسرائيل هي رأس الحربة في هذا المحور. ثم يطلب من الفلسطينيين موقفا أو قطع علاقة، ثم يحاسبهم أو يحاسب من يدعمهم.
نحن أمام مسارات إجبارية تدخلها القضية الفلسطينية المفارقة أن الإقليم تكالب علينا كشعب فلسطيني فاستفرد بكل مجموعة على حدة بل إن بعض المجموعات مزقت وتفرقت وأصبحت تيارات وكل تيار يتربص بالآخر.
لا أقول ما أشبه اليوم باليوم بالبارحة كنا رغم اختلافنا يداً واحدة لنا مسار واحد هو مسار التحرير كنا تحت الاحتلال وكانت إسرائيل في نظر العرب عداً حتى وان كان هذا مجرد شعار تستدعيه الأنظمة العربية لتضفي نوعا من الشرعية على وجودها وبقائها، لكن حتى هذا الشعار سقط الآن ولم تعد إسرائيل في نظر العرب هي العدو.
لقد بات واضحا ومعلنا ومطلوبا طعن المقاومة الفلسطينية، ولن تمر هذه الأزمة الخليجية دون تعرض الجبهة الفلسطينية لعملية غدر تاريخية ، وعليه فإن المطلوب الآن هو النأي بالجبهة الفلسطينية عما يحدث خليجيا قدر الممكن والمستطاع، وان يتم تجاوز الانقسام.


التعليقات : 0