الشيخ نافذ عزام
مرّت الأسبوع الماضي الذكرى الخمسون للنكبة الثانية وسقوط القدس، أو ما يسميها البعض هزيمة 1967، وهي الحرب التي تطلق عليها «إسرائيل» إمعانا في إهانتنا، «حرب الأيام الستة»، مرت الخمسون عاما، وكأن الحرب كانت بالأمس، حيث لا زالت ذاكرتنا تختزن ما حصل في ذلك الاثنين الصعب، الذي لم ينتصف نهاره، وإلا بالدبابات الإسرائيلية تصل رفح في أقصى جنوب قطاع غزة في إعلان صارخ وصادم عن سير اتجاه الحرب، وتلا ذلك المقطع الشهير للجندي الإسرائيلي عبر جهازه اللاسلكي عن دخول القدس.
عندما سقط نصف فلسطين بعد النكبة الأولى عام 1948، تسلمت الحكم في الدول العربية المركزية أنظمة اشتراكية ثورية، رفعت شعار استعادة ما ضاع من فلسطين، وجعلته أساساً لخطابها السياسي والفكري والأيديولوجي، وزرعت في وعي الناس وهماً كبيراً بأن المواجهة القادمة التي تجهز ستعيد الحق الضائع، وستمحو آثار النكبة، وتعيد الأمور إلى سياقها الطبيعي، لكن المؤسف أن الأمور على الأرض سارت باتجاهات أخرى، فلم يتحقق السلم الاجتماعي الذي يضمن وجود جبهة داخلية متماسكة، ولم يكن هناك احترام لهوية الشعوب وثقافتها وأعرافها، ولم تر الأجيال أمامها النماذج التي تعينها وتأخذ بأيديها لبناء حاضر قوي للأمة، يقودها نحو مستقبل مشرق.
غابت الشفافية والمحاسبة النزيهة، وتم خنق الآراء ووجهات النظر، ووضع القيود على العقول والتعبير، كل ذلك في وقت أصرت فيه الحكومات العربية أنها ماضية في طريق استعادة فلسطين وتحقيق الوحدة ونفخ الإعلام في تلك الشعارات، ليصحوا الناس صباح الخامس من يونيو حزيران 1967 السابع والعشرين من رجب 1387هـ على الكابوس المرعب، أو الزلزال المدمر، ويكتشفوا ان الحكام قد دفعوا بجنودهم إلى حرب لم يتجهزوا لها ولم يحسنوا إدارتها، وبالتالي كانت النتيجة محسومة حتى قبل أن تبدأ الحرب.
نعم أحدثت النكبة حالة صدمة مذهلة، أنتجت وعيا وقناعة بضرورة احترام هوية الشعوب وعقيدتها، واستحالة نجاح أية مواجهة مع «إسرائيل» بدون إعطاء دور للجماهير، وتحقيق الوئام الداخلي بين مكونات الأمة وتياراتها المختلفة.
والمؤسف أن الدروس التي قدمتها النكبة لم تحقق الأثر المطلوب ولم تتحول الى سياسات وبرامج وخطط، ورغم الإضاءات التي حصلت على مدى الخمسين عاما من عمر النكبة، وما واكب تلك الإضاءات من محاولات صادقة لشخصيات وتيارات ورموز، ورغم التضحيات الكبيرة التي ازدحمت بها تلك السنوات، إلا أن العجز عن محو آثار النكبتين كان واضحا تماما، حيث لم تتغير بنية الأنظمة، ولم يتحقق التعايش بينها وبين الجماهير والتيارات الإسلامية والوطنية والقومية، وحتى هذه التيارات، لم تستطع بناء جبهة واسعة تمكنها من تقريب الأهداف التي حلم بها الفرد في الوطن العربي والإسلامي.
ربما نتج عن نكبة 1967، تعزيز للدور الفلسطيني (م.ت.ف)، وبروز للتيارات الإسلامية الفلسطينية والتي سجلت حضورا لافتا، وقدمت أجيالا من المقاتلين والشهداء، ورغم تعزيز الدور الفلسطيني وزيادة نفوذ منظمة التحرير الفلسطينية والحضور القوي للتيارات الإسلامية الفلسطينية إلا أن ذلك لم يحقق أيضا الأهداف الكبيرة التي باتت عنوانا لهذا الصراع، فالبنسبة لمنظمة التحرير الفلسطينية، ورغم الآمال الكبيرة التي رافقت ظهورها، لم تواصل بنفس الزخم وعلى نفس النهج، واضطرت آخر الآمر الى التوقيع على اتفاق سلام مع «إسرائيل» الذي عُرف باتفاق «أوسلو»، وعجزت المنظمة بالتالي عن الوفاء بوعودها التي كانت بمثابة المبرر لإنشائها ونضالها.
والتيارات الإسلامية في الساحة الفلسطينية أبدت بسالة كبيرة وقدمت تضحيات كبيرة، لكنها أيضا لم تصل للهدف المنشود، وعانت من غياب البرنامج العربي الواضح، وعانت في السنوات الأخيرة من التغيرات التي عصفت ولا زالت بالمنطقة العربية، وأفقدتها جزءا كبيرا من الدعم الرسمي والشعبي العربي.
ومن أسوأ هذه المتغيرات، تراجع القضية الفلسطينية في برامج وسياسات دول عربية، ويرافق ذلك التراجع علاقات تنافسية مع «إسرائيل» مما يزيد من تعقيدات الأوضاع، وبشكل تلقائي زيادة معاناة الفلسطينيين وافتقادهم لأساسيات العيش الكريم، مما يرتب مسؤوليات مضاعفة على القوى الفلسطينية جميعها، وإعطاء معاناة الناس وبؤس أوضاعهم أولوية واهتماما أكثر من السابق.
خمسون عاما على الهزيمة أو النكبة، تكشفنا جميعا، وتخز ضمائرنا جميعا، وتحملنا جميعا مسؤولية علاج الأزمات ولأم الصف وتعزيز روح الناس وثقتهم بمن يدير شؤون حياتهم!.


التعليقات : 0