بقلم : ممتاز مرتجى
ما أن يأتي أكتوبر تشرين الأول حتى تقفز في أذهاننا وفي أذهان كل من عرف الجهاد الإسلامي والتحم به ذكريات وأحداث مهمة جدا، ولعل أهم هذه الأحداث معركة الشجاعية البطولية في السادس من أكتوبر عام ١٩٨٧وانتصار الدم على السيف في مواجهة بطولية سطر أحداثها كوكبة رائعة من أبطال وفرسان الجهاد الإسلامي فتحوا الباب على مصراعيه لمواجهة شاملة مع الاحتلال ولأول مرة بهذا الزخم الكبير الذي أفضى إلى انتفاضة كبرى تم الالتفاف عليها باتفاق هزيل يهدف إلى امتصاص غضب الجماهير وإنهاء الانتفاضة بسلطة حكم ذاتي على غزة وأريحا وأجزاء من الضفة الغربية، وبالتالي تعفى دولة الاحتلال من عبء إدارتها ودفع فاتورة المواجهة مع الثائرين الفلسطينيين، فكان اتفاق أوسلو عام ١٩٩٣.
ولم يكن حادث هروب فرسان الجهاد الإسلامي وعلى رأسهم الشهيد الحافظ لكتاب الله مصباح الصوري في ١٧/٥/١٩٨٧ حدثا عاديا، بل حدثا مهما ومميزا أربك دولة الكيان ووضع حالتها الأمنية برمتها في مهب الريح، واسقط وبشكل قوي جدا ما يسمى بأسطورة الأمن الإسرائيلي ،فاتجه المستوى السياسي الإسرائيلي لإيجاد حل أمام ظاهرة الجهاد الإسلامي التي تحولت إلى فعل وممارسة وعمل تنظيمي دقيق في الساحة الفلسطينية عنوانها الدكتور فتحي الشقاقي.
فبعد ان نجح ستة من المجاهدين في 17 مايو (أيار) 1987 من الهرب من السجن الصهيوني في غزة ليقودوا سلسلة عمليات كبرى منها قتل المستوطن الصهيوني «جليل غروسين» وقتل قائد الشرطة العسكرية في لواء غزة النقيب «رون طال» لتتسارع وتيرة العمل العسكري من ناحية والحصار الصهيوني من ناحية أخرى وتحولت مجموعة الشهيد مصباح الصوري ومحمد الجمل وإخوانهم زهدي قريقع وأحمد حلس وسامي الشيخ خليل إلى مصدر إزعاج رئيسي للاحتلال ومثال يحتذى لدى الشبان الفلسطينيين، حتى اشتبكت المجموعة المجاهدة في السادس من أكتوبر تشرين أول من العام 1987 مع دورية صهيونية لعدة ساعات أسفرت عن استشهاد المجاهدين ومقتل ضابط الاستخبارات الصهيونية «فيكتور أرجوان» وجرح العديد.
هنا كانت أهم انطلاقة مسلحة للجهاد الإسلامي سبقها العديد من العمليات العسكرية المهمة بإشراف وتوجيه ومتابعة من المؤسس الأول الدكتور فتحي الشقاقي رحمه الله، وصدرت بيانات رسمية باسم حركة الجهاد الإسلامي تتبني هذه العملية وتبشر بانطلاقة إسلامية ثورية عارمة تعم جميع أنحاء فلسطين. كان الدكتور فتحي الشقاقي في هذه الأثناء معتقلا في السجون الإسرائيلية بسبب نشاطات سابقة أهمها تشكيل مجموعات عسكرية لحركة الجهاد الإسلامي ودعمها وإعطاء الأوامر بتنفيذ عمليات عسكرية ضد أهداف إسرائيلية، وكان يقود الحركة من داخل السجن عبر إخوانه في الخارج، وكان على رأس هذه المجموعات محمد الحسني ومحمود أبو حصيرة وآخرون، وقد أفرج عنهما في صفقة وفاء الأحرار.
وقد اعتقل على اثر معركة الشجاعية عدد من قيادات وأعضاء حركة الجهاد الإسلامي وكان على رأسهم الشيخ نافذ عزام الذي ابعد من مصر وتم حرمانه من إتمام دراسته في كلية الطب اثر مغادرة الدكتور فتحي الشقاقي سرا لمصر في ١/١١/١٩٨١ حيث كان مطلوبا لأجهزة الأمن المصرية،وأدى التصاق الشيخ المجاهد نافذ عزام برفيق دربه الشقاقي إلى التفرغ الكامل للعمل الحركي والتنظيمي والتعرض للملاحقة والاعتقال من أجهزة الأمن الإسرائيلية، اعتقلت أيضا والدة الشهيد مصباح الصوري الذي استشهد قبل معركة الشجاعية بأيام، ومورست الضغوطات الشديدة على أسرته .كما اعتقل عدد من أبناء الجهاد الإسلامي خصوصا من أبناء عائلة عابد في حي الشجاعية وكانوا من أوائل الذين انحازوا لخيار الجهاد الإسلامي وقدموا كل ما يستطيعون من مساعدة لفرسان معركة الشجاعية الذين كسروا جدران السجون وانطلقوا لمواجهة صعبة مع جنود الاحتلال وكانوا بحاجة لمن يوفر لهم ملاجئ وغطاء أمنياً ليستطيعوا مواصلة جهادهم ومعاركهم ضد الاحتلال، والذين اعتقلوا هم الشيخ إبراهيم عابد وخزاع عابد ونضال عابد وخليل عابد وياسر عابد ونصر عابد .
كانت معركة الشجاعية مثار اهتمام جماهيري فلسطيني وعربي وإسلامي، وكان لها ما بعدها من الأحداث المهمة حتى حاول المستوى العربي والفلسطيني الرسمي استثمار هذا الحدث الذي أفضى إلى الانتفاضة المباركة سياسيا من خلال تبني مشروع سلمي ظنا منهم أنه يمكن أن ينهي الصراع مع الاحتلال ويفضي إلى دولتين، وهذا ما حذر منه الدكتور فتحي الشقاقي يومها، وكتب دراسة بعنوان: الانتفاضة يفجرها الإسلاميون ويستثمرها العلمانيون.
استمرت حركة الجهاد الإسلامي تصعد نشاطاتها المختلفة ضد الاحتلال سياسيا وعسكريا واتخذت من السادس من أكتوبر يوما تاريخيا في مسيرة جهادها واعتبرته يوم إضراب شامل.
تقدمت حركة الجهاد الإسلامي بقادة وأعضاء رائعين يمتلكون الفكرة والمنهج والمشروع الذي أرسى أركانه وقواعده الدكتور المفكر فتحي الشقاقي وإخوانه بشكل سريع ومذهل جعل كل أجهزة وأركان دولة الاحتلال في ذهول وحيرة من أمرهم ،واعتبرت دولة الكيان أن الدكتور فتحي الشقاقي هو اخطر شخصية على أمنها في تاريخ الصراع الإسرائيلي الفلسطيني.
وشاءت الأقدار أن ترتقي روح مؤسس الحركة الشقاقي في السادس والعشرين من أكتوبر عام ١٩٩٥ زكية طاهرة راضية ومرضية. ثماني سنوات بعد معركة الشجاعية قضاها الشقاقي في كفاح وجهاد ومقارعة قوية للعدو وقيادة فذة لحركة الجهاد الإسلامي.


التعليقات : 0