زهير ماجد
من أغنيات فلسطين للمطربة فيروز، وهي من أوائل ما غنته لفلسطين، جملة تقول فيها ” سنرجع خبرني العندليب / غداة التقينا على منحنى” .. قال لي قيادي فلسطيني منذ سنوات، إن هذه الجملة لا تقنع الشعب الفلسطيني، مع أنها نوع من إشراك حتى الطير في عملية العودة إلى فلسطين، لكن الذي يحقق الوعد هي الدماء.
كل يوم جمعة يرتفع عداد الشهداء في غزة، أصبح هذا اليوم تقليدا حتى أنه يتم حفر قبور سلفا كنوع من التجهيز الأولي لما سيأتي. وأنا أشاهد التجمعات والتظاهرات عند” الحدود ” التي تخنق الفلسطيني ويسأل دائما مع نفسه وأمام عدسة الكاميرا، لماذا الأسلاك الشائكة وكل هذه البلاد بلادي ، يتراءى لي متى سيأتي اليوم أو اللحظة التي تتهاوى فيه تلك الأسلاك، ويمضي ابن غزة نحو مساحة فلسطين كلها وصولا إلى الحدود اللبنانية دون مانع أو رقيب.
تبكي أمهات الشهداء، تنتحب حزنا، لكنها تفكر بالبعيد، بذاك الأمل الذي تضيئه الدماء الزكية .. الإسرائيلي الذي يطلق النار في عملية قنص قذرة، تراه يفعلها كونه خائفا من تلك الأسود التي تهدر في وجهه .. لم يعد الجندي الإسرائيلي يخيف أحدا في العالم العربي بعدما كشفته حرب عام 2006 .. وخصوصا الفلسطيني عدوه التاريخي.
في غزة يصنع تاريخ كل يوم وتحديدا كل نهار جمعة .. صحيح أننا نخسر شبابا كانت له الدنيا وكانت أحلامه أكبر من حجم الحصار المفروض عليه، وأكبر من مساحة القطاع .. حلمه فلسطين كلها بمساحتها التاريخية، بكل تضاريسها الجميلة .. هو يختنق في مكانه، يريد أن يكسر الأسلاك ليعبر إلى حيث يريد، فلديه الحلم بصناعة مرحلة وتغيير واقع.
الإسرائيليون القتلة غزاة جاؤوا من أقاصي الأرض ليسكنوا جنة ليست لهم، هؤلاء يخافون قولا بأن البلاد التي يقيمون فيها ليست بلادهم وأن قانون القوة الذي يحكمها سوف يتغير، وأن الفلسطيني قادم لا محالة لمحو تاريخ إسرائيلي مصنوع من كذب. الغزاة يخافون من الذكريات كما يقول الشاعر محمود درويش، هم يعرفون لماذا وجودهم على أرض ليست لهم، وفي مكان ليس لهم محل فيه .. سيظل هذا الإسرائيلي مذعورا من الغد الذي سيرى فيه تهاوي ” القلعة ” التي ظن أنها باقية إلى الأبد، وهي إسرائيل ..
يقول أحدهم” إن الدماء التي تجري في عروقنا هي وديعة الأمة فينا متى طلبتها وجدتها”، تلك الحقيقة تؤكدها جمعة العودة الغزاوية التي تحولت إلى تراث فلسطيني جديد، هو في حقيقته نبض الواقع الفلسطيني في كل تجلياته .. لا يمر يوم جمعة إلا ويجب أن تتحول غزة إلى مساحة عشق لفلسطين ، من أي زاوية ستراها.
سيظل العندليب ” يروي” العودة ، لكن الذي يصنعها هي الدماء كما قلنا، لا نخاف على الغد طالما أن هنالك من يبشر بدمه، ومن يقدم الدليل على تحقيق هذا الحلم .. هؤلاء الثوار الصغار يكتبون أول الكلام بعبور الأسلاك، فلا حزن بالتالي على الشهداء لأننا لا نخسرهم، بل نكتب من خلالهم سيرة جديدة مازال الفلسطيني يكتبها منذ الدقائق الأولى للنكبة.
العرب الصامتون عما يجري في غزة ، والعالم الذي يرى ولا ينفعل، يكاد أن يكون مشاركا في قتل الظاهرة الغزاوية والفلسطينية عموما .. .


التعليقات : 0