بقلم : ممتاز مرتجى
ما أن تأتي الذكرى الأليمة لرحيل الشقاقي حتى يخفق القلب بالحنين والحزن لفراقه وهو الذي كان نبعاً من الابتكار والإبداع والتفاني لأجل فلسطين, الشقاقي رحل جسدا ولكنه لم يرحل فكرا وروحا, وحركة الشقاقي التي أراد لها الهالك رابين الاستئصال والفناء بقتله تقوى وتكبر ويشتد عودها, وأفكاره ورؤاه وتطلعاته لم تغادر المشهد, وصوته وصورته مع كل حجر ثائر ورصاصة مجاهد ومع كل صرخة حر ومنتفض على الباطل وكل أشكال الشر في العالم, نعم انه حاضر مع بطولة اشرف نعالوة فارس عملية باراكان ، وحاضر مع صمود الشيخ خضر عدنان في وجه جلاديه ، وحاضر مع بطولات الشباب الثائر على أسلاك الحدود الزائلة.
الشقاقي حاضر وسط هذا التيه السياسي والانقسام السياسي والدمار والتراجع على مستوى القضية الفلسطينية والمشروع الوطني بسبب ما جلبته اتفاقية أوسلو والمفاوضات العبثية التي لا تغني ولا تسمن من جوع, حتى أصبح رموزها يستجدون العودة إليها مهما كانت نتائجها صفرية وباهتة!, وقد حذر الشقاقي التيار الفلسطيني الرسمي من مخاطر الولوج في مسيرات التسوية التي ابتدأت في نهاية السبعينات ومطلع الثمانينات مشيرا إلى خطورتها في مقالته «اتفاق القاهرة...هل من تنازل آخر؟!» وفي رسالته بعنوان»رسالة مفتوحة إلى ياسر عرفات».ثم بعد أكثر من خمسة وعشرين عاما على أوسلو وما سبقها من مفاوضات تبين أن أوسلو ومسيرة التسوية ليست أكثر من طعم ابتلعته القيادة الفلسطينية الرسمية !.
وسط هذا كله يبرز صوت الشقاقي ليقول لهم كفاكم مضيعة للوقت، وكفاكم تغريرا بعقول أبناء شعبكم وكفاكم استهتارا بثوابت وحقوق شعبكم وقضيتكم, لا تراهنوا على وعود أمريكا وحلفائها ولا تتأملوا وتثقوا كثيرا بوعود هيئة المتحدة التي تقف موقف العاجز والجبان أمام الفيتو الأمريكي, ان انتصار الموقف الشعبي الفلسطيني في الخان الأحمر في القدس ( الخان الأحمر هي قرية فلسطينية بدوية في محافظة القدس، تقع على الطريق السريع 1 شرق مدينة القدس، وبالقرب من مستوطنتي معاليه أدميم وكفار أدوميم، بلغ عدد سكانها عام 2018، حوالي 173 بدوياً من بينهم 92 طفلا يعيشون في الخيام والأكواخ من قبيلة الجهالين البدوية، وهي من القرى الفلسطينية المحتلة عام 1967) وتراجع سلطات الاحتلال عن هدمها هو تأكيد لفشل سياسة الغطرسة والاستكبار ، وتأكيد على أن الحقوق لا تمنح وإنما تنتزع انتزاعا ، وان الجماهير هي القوة الأكبر في التغيير كما أكد دوما الشقاقي في كل كتاباته وخطاباته. الآن يدرك كل من دخل في معترك السياسة أن تأجيل القضايا الرئيسية كالقدس واللاجئين وحق العودة وتعميق الانقسام أمر لا يمكن ولا بأي حال من الأحوال أن يخدم القضية الفلسطينية ، وان تقديم أية مسألة مهما بلغت أهميتها على هذه القضايا- خصوصا القدس هو ضرب من التيه والعبث، وحسب تعبير الشقاقي «إن كل بوصلة لا تشير إلى القدس هي بوصلة مشبوهة».
كم من قضية افتعلت ولا تحمل أية أهمية طغت على السطح وتلهى بها الساسة وأصحاب القرار فيما غيبت قضايا كثيرة مهمة وأهدر الوقت والجهد في تلك القضايا التي لا تتقدم بمشروع التحرير شبرا واحدا!.
في ذكرى الشقاقي تبرز حقيقة واضحة وهي أن الشقاقي ليس فقط قائداً لحركة الجهاد الإسلامي أو زعيماً لحزب معين، وإنما هو قائد فلسطيني يفخر به كل فلسطيني حر وشريف هو قائد لفلسطين لما تحمله أفكاره ورؤاه من شمولية لا يختلف عليها اثنان، وهذا ما لمسه المواطن الفلسطيني في حركة الجهاد الإسلامي التي تقف بمسافة واحدة من الجميع ولا تعمل إلا ما فيه مصلحة للقضية الفلسطينية والمشروع الوطني الفلسطيني وتركز معركتها مع الاحتلال فقط.
وفي ذكرى الشقاقي نرى حلمه يكبر ويمتد في أبنائه وإخوانه وتلاميذه المخلصين الذين حملوا الراية من بعده كالدكتور المجاهد رمضان شلح شفاه الله وعافاه الذي قاد المسيرة بكل اقتدار وإخلاص لمدة ثلاثة وعشرين عاما ثم تستمر المسيرة وإخوان الشقاقي وتلاميذه يجددون العهد والوعد ليتسلم الراية قائد وفارس آخر في مرحلة حساسة وحرجة ومن خلال انتخابات راقية ومحترمة ونزيهة تمت بمسؤولية ومهارة عالية لتستكمل المسيرة مراحلها بشكل سلس ومنظم بقيادة الأستاذ القائد المجاهد زياد النخالة (أبو طارق) حفظه الله ووفقه لاستكمال الدور الذي بدأه الشقاقي واستمر به الدكتور أبو عبد الله ومعهم المخلصون من أبناء وفرسان حركة الجهاد الإسلامي الذين أخذوا على عاتقهم أمانة الوفاء للشهداء وفلسطين والأسرى والمبعدين.
ها هي ذكرى الشقاقي تأتي لا لتغادر ، وإنما لتبقى حية في القلوب والعقول ، ولتبقى ناقوساً يدق دون توقف على مسامع كل من يريد أن يعبث بثوابت ومبادئ وحقوق الشعب الفلسطيني أو أن يساوم على فلسطين في زمن التهاوي العربي أمام غطرسة أمريكا وإسرائيل وحلفائهما... في ذكرى الشقاقي تحية لروحه الطاهرة وتحية لأسرته وعائلته التي أنجبت قائدا للأمة وقائدا لفلسطين فهو على حد وصف وتعبير الأستاذ المجاهد ياسر صالح : «الشقاقي هو شهيد الأمة لأنه أنشأ حركة لتكون رأس الحربة الإسلامية في مواجهة رأس الحربة الغربية. ببساطة هو أدرك طبيعة الهجمة وجعل من فلسطين القضية المركزية للأمة واستطاع ان يتعامل مع الوطني والقومي والإسلامي لمواجهة الهجمة ورأس حربتها إسرائيل واستشهد على هذا الطريق». تحية لإخوانه وأبنائه وتلامذته الأوفياء...وستبقى أفكار ورؤى الشقاقي حية عبر كل الأجيال والمراحل.


التعليقات : 0