بقلم: معروف الطيب
وأنا أكتب هذه الكلمات جاءني خبر دخول خضر عدنان حالة حرجة وعجزه عن الوقوف على قدميه. خضر عدنان أيقونة الكرامة في زمن انحسارات الكرامات العربية، فقلت في نفسي ربما هي من مفارقات القدر أن يبرز هذا الاسم تحديداً والآن بالذات وقد اخترت أن أكتب ما سأكتب.
كان يطيب لنا في عهود سابقة أن نتحدث عن ضريبة الذل التي تدفعها الشعوب العربية لقاء عجز حكامها، وهوانهم على أمريكا و(إسرائيل) وأصبحوا يخوضون صراعات مصطنعة هرباً من الصراع الحقيقي الوحيد المبرر والمقبول ألا وهو الصراع مع الصهاينة على فلسطين . لقد تجاوز الأمر هذا المستوى، وأصبح لدى حكام الرذيلة العربية رغبة جامحة في استثمار الذل الذي يغمرهم من قحف رؤوسهم حتى أخمصهم.
وأذكر أن حافظ الأسد إبان مباحثات مدريد عندما عرض عليه الأمريكان التفاوض ضمن وفد عربي موحد يضم سورية ولبنان والأردن والفلسطينيين، بالإضافة لدول الخليج، رفض الفكرة وأبدى غضبه واستهجانه قائلاً: وما دخل دول الخليج العربي. وعندما سئل عن سبب رفضه. أجاب قائلا: هؤلاء لا علاقة لهم بموضوع الحوار، وكل ما سيفعلونه هو البحث عن ثغرات ينفذون من خلالها لإقامة علاقات مع الكيان، وهذا سيضر تماماً بمسار التسوية التي تهدف لاستعادة الأراضي. واقترح يومها أن يقتصر الوفد على الدول المحتلة أرضها من قبل العدو الصهيوني والمحيطة به.
دول الخليج حسب ما كشفت عنه تسيفي ليفني مؤخراً لم تتوقف عن الاتصال والتواصل مع العدو الصهيوني، وجاءت زيارة نتنياهو الأخيرة لسلطنة عمان تتويجاً لجهود سرية طويلة المدى ولقاءات في الكواليس، والملفت للنظر أن يضم الوفد الصهيوني رئيس الموساد لسلطنة الصمت العربي وهي الدولة التي لم تسمح يوماً لفلسطيني واحد أن يدخل أرضها، ولم يسمع لها صوت لصالح القضية ولم تهتز لها قصبة على رأي مظفر النواب تأييداً للقضية الفلسطينية. وكم قال المثل المشهور «صمت دهراً ثم نطق كفراً». وفي هذا السياق تأتي تصريحات بن علوي عن وجود إسرائيل الذي يقر به العرب جميعاً، وأضاف عليه جرعة من الزندقة السياسية بتوسلاته لترامب أن يسرع في تطبيق صفقة القرن. إن هذه التوسلات لا يمكن فهمها إلا في سياق استثمار الذل، والسباق لكسب شرعية الكراسي والعروش من خلال ارتكاب أشنع وأبشع ما يمكن من (كبائر) سياسية. ولا أشنع من ارتكاب الفاحشة السياسية بالقضية الأقدس والصراع الأنبل، ولا عرض أنجس من عرض فلسطين في المزاد العلني وبازار صفقة القرن. لا يملك العرب لفلسطين اليوم سوى التآمر العلني والوقح، وقد كانوا في السابق يستخفون استخفاء النذل، ويستترون استتار المبتلى، من سوء ما يفعلون. وإنهم اليوم يدركون أن لا طاقة لهم بالعودة لمربع خضر عدنان بعدما استمرؤوا الذل والهوان، وما يملكونه بالفعل هو التيئيس وتعميم الذل وحشو عيوننا وعقولنا بالصور المسيئة، التي تظهر القتلة الصهاينة وهم يحظون بالمصافحات والعناق والتصفيق .
إن الخليجيين يفعلون ما لا يطيقه تحليل سياسي، إذ لا يمكن أن يستوعب أحد أن يصفق إنسان يتصف بالآدمية , أو أدنى مستوياتها لقتلة أطفاله، ومغتصبي شرفه، اللهم إلا إذا نزعت منهم آخر نسمة من مروءة، ورشحت من خلاياهم آخر قطرة من كرامة. بضاعة كساد تلك التي يعرضها ملوك التوحش، فنانو المناشير وإخراس الأصوات، أعداء شعوبهم وعشاق الأجانب. ولعمري هل تكون حقيقة كلمات العجائز الذين كنا نحسبهم يفهمون السياسة بسذاجة، والذين كانوا يتحدثون عن أصول الملوك العرب، بأنهم بقايا تلك الجماعات اليهودية التي هربت من العثمانيين، وصُنعت لهم كيانات مشيخية تمهيداً لقيام الكيان المسخ على تراب فلسطين، والذي يمثل رأس الحربة في المشروع الغربي المعاصر، كالخنجر المغروس في خاصرة الأمة.
أخشى ما أخشاه أنه أوشك اليوم الذي نرى فيه نتنياهو محاطاً بالعباءات النفطية، واقفاً أمام قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم يركله بقدمه كما فعل قائد الحملة الصليبية «غورو» بقبر صلاح الدين ويقول : ها قد عدنا يا محمد!.


التعليقات : 0