ع الوجع

وقفة... بقلم: معروف الطيب

وقفة... بقلم: معروف الطيب
أقلام وآراء

 

معروف الطيب

مَنْ يَهُنْ يسهلُ الهوانُ عليهِ... ما لجرحٍ بميتٍ إيلامُ.. لا عواطف ولا غراميات في عالم السياسة، فأمريكا لا تعشق أحداً خلا مصالحها، وعرب الخليج (المساكين) يصرون على عيش قصة رومانسية مع أمريكا والغرب، قطر بالضبط كما السعودية وكلاء مبيعات، وينفذون أجندة لا علاقة لها بمصالحهم أو واقعهم أو مستقبلهم، وحالة الهوان والذل (الطوعية) الذي يحياها العرب تجعلهم يتماهون مع عدوهم و(ينبطحون) له أكثر، ويتوحدون معه يفكرون له، ويراعون مزاجه دون أن يطلب، وما حدث من انكفاء خليجي على الذات، وإعلان الحرب على قطر هو سلوك مميز لم يسبق أن حدث في تاريخ الأمم السابقة ،فهم يتشرذمون ويعيدون ترتيب أوضاعهم بحيث يصبحون أكثر ذلاً وأكثر هوانا في كل مرة، بل ويطلبون من عدوهم مساندتهم في معاداة إخوانهم.. لم يحدث في تاريخ البشرية، سوى في حالات انتحار العشاق المجانين في سبيل من يعشقون.

 

الوضع الفلسطيني ليس أكثر إشراقاً وتفاؤلاً، فالفلسطينيون (الغلابا)يعتقدون أن المصالحة ستحل لهم الكثير من المشكلات التي نتجت عن وضع الانقسام الاستثنائي..ولكن الأطراف المتصارعة على الساحة الفلسطينية  تنظر للمصالحة بصورة مختلفة تماماً.. فهم ذاهبون باتجاه المحاصصة والمقاسمة، وتحقيق مكاسب خاصة تتعلق بهذا الحزب أو ذاك، أما الجماهير فلا اعتبار لمصالحها، ولا أحد يشعر بمعاناة الناس، ويظل ساهراً الليل يحلم برفع المعاناة عنهم فيما المواطنون يتوقعون أن تسفر اللقاءات في العواصم العربية عن إنهاء، أو تخفيف ملحوظ لمعاناتهم بعد هذا الصبر الطويل.

 

قريباً سيكتشف الشعب الفلسطيني أنه مغيب  في خضم المصالح الحزبية، ولم يكن سوى فأر تجارب، ولم يستكشف أحد رأيه في أية مرحلة من مراحل حياته، فهم الغائب الحاضر وغيرهم يقرر لهم متى يخوضون الحروب، ومتى يذهبون للسلام، وبدون مبرر يدفعون فاتورة الانقسام من دماهم، ولا رأي لهم حين يلتقي المتناحرون لاقتسام السلطة على أساس»لقريش نصف الأرض ولنا النصف» والشعب ليس أكثر من رهائن للقرارات وللعنجهيات والنزوات السياسية.

 

يستحضرني في هذا المقام أنموذج أخلاقي على النقيض تماماً من الحالة الفلسطينية.. فنحن نعيش ذكرى معركة بدر والنبي _ صلوات الله عليه _ رغم كونه معصوم لا ينطق عن الهوى، إلا أنه يستشير أصحابه المهاجرين تارة، والأنصار تارة أخرى حول قرار خوض المعركة بعد أن خرجوا للغنائم، ولكن الظروف اختلفت فالقافلة نجت، وقريش جاءت وأصبحت المواجهة حتمية، وقد كان الأنصار قد عاهدوا النبي أن يمنعوا النبي مما يمنعون أنفسهم داخل حدود المدينة المنورة، وهذه المواجهة ستحدث خارج نطاق المدينة،فكان لابد من الاستفتاء، وقال سعد بن معاذ ما قال.. فالنبي لا يستهين بأصحابه ولا يقحم الناس في خياراته هو رغم أنه مؤيد بالوحي ويجوز له اتخاذ القرار دون أن يراجعه أحد: « ما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة في أمرهم».

 

ربما لم يحن الوقت أن يستكشف العربي أنَّه يمتلك كل القوة، وأن أمريكا مهما علت، وبغض النظر عن عنجهيتها في ابتزاز أموالنا الخليجية، فهي في النهاية التي تحتاج مالنا ونفطنا، ومن المفترض أن مقدرات أمتنا تزيدها قوة ومنعة، وإلى أن يأتي الوقت الذي نصرخ فيهم «أخرجوا من أرضنا من بحرنا من قمحنا من ملحنا، من كل شيء، وانصرفوا!» سنظل نتجرع الهوان.. وكفلسطينيين إن لم نشعر بتضحيات الناس ونستشعر آلامهم فلن نستحق احترام الشعوب، وسيلفظنا التاريخ بعد أن يصمنا بأبشع النعوت، لأننا سنكون تجارب فشل مستنسخة عن بعضنا البعض.

 

التعليقات : 0

إضافة تعليق