بناء الإنسان هو الأهم... تيسير الغوطي

بناء الإنسان هو الأهم... تيسير الغوطي
أقلام وآراء

بقلم: تيسير الغوطي

تدرك كل المراكز البحثية والعقول المفكرة ان الإنسان هو حجر الأساس في الحياة والتقدم في كل مجالاتها المختلفة وان هذا الإنسان لا بد من بنائه روحيا وفكريا لتتولد في نفسه الإرادة نحو التغيير والتقدم لما هو أفضل مهما كانت الصعاب  والعقبات ، فالإرادة القوية هي وهي فقط التي تتهاوى أمامها كل العوائق والحواجز مهما بلغت وعظمت، وفي نفس الوقت بناؤه جسديا ودعمه بالعوامل المادية المساعدة ليصبح قادرا على تحمل أعباء الحياة، وفي مقدمتها صد الأعداء.

 

لهذا كان (وما يزال) مركز الاهتمام الأول لكل الدول المتقدمة وسياسات وبرامج ومشاريع الدول والأنظمة التي تحترم ذاتها، وتهدف إلى التقدم والوصول لأقصى الدرجات الممكنة، باعتبار ذلك الخطوة الأولى والأساس لأي تقدم ونهضة اقتصادية كانت أو علمية، فحرصت ومنذ البداية على توفير كافة الإمكانات التي يحتاجها الإنسان لتنطلق إبداعاته المكنونة  وتترجم واقعا على الأرض ، وتحقق مزيدا من النهضة والتقدم واعمار الكون ، وفي مقدمة هذه الضروريات والإمكانيات الحرية بكافة أشكالها ومسمياتها، ثم توفير وتأمين متطلباته الحياتية من مأكل ومشرب ومسكن وأمن ... الخ .

 

وعندما ينظر المرء في واقع الدول العربية والإسلامية عموما وفلسطين خصوصا ينفطر قلبه ألما وحسرة لما آل إليه واقع الإنسان في هذه المجتمعات والدول وموقعه من اهتمامات النظم القائمة والحكام المتربعون على عروشها، حيث تجده في ذيل قائمة الاهتمام تلك، فيما يتصدرها أسباب الحفاظ على تلك العروش، وبعض من المظاهر الكاذبة والخادعة للدجل على الجماهير والتغرير بها، للقناعة بسوء الحال والمآل الذي آلت إليه من فقر وفقدان حرية وكرامة إنسانية ، فقد أظهرت دراسة أعدها معهد رائد الأمريكي، بان تلوث المياه في قطاع غزة هو السبب الرئيسي لوفيات الأطفال، وان أكثر من ربع (25%) الأمراض المنتشرة في القطاع ناتجة عن تلوث المياه، وتضيف الدراسة ان 97% من مياه غزة غير مناسبة للشرب وفق المعايير الدولية المعترف بها، وانه في مدارس غزة يوجد مرحاض واحد لكل 75 طفلا وحوض غسيل لكل 80 طفلا، وهذا يشكل خطرا لسهولة إصابة الأطفال بالأمراض المعوية وانتقالها من طفل لآخر, وتشير الدراسة إلى فقدان غزة لكل مقومات البنية التحتية القادرة على تحسين وضع المياه وكذلك التصرف بطريقة سليمة في مياه الصرف الصحي التي يتم نقلها إلى البحر، لعدم وجود قدرة على التعامل معها بشكل سليم ، وبحسب الدراسة فإن متوسط إنفاق الفرد في العالم الغربي على استهلاك المياه هو 0.7% من دخله الشهري، لكن في قطاع غزة يفوق العشرة بالمائة (10%) ، وفي ظل البطالة المرتفعة (57%) فإن العديد من السكان لا يمكنهم تحمل هذه المبالغ لشراء المياه.

 

من جهته أكد منذر شبلاق مدير عام مصلحة بلديات الساحل ان القطاع مقبل على كارثة مائية فعليا موضحا ان أكثر من  97% من المياه الجوفية لاتصلح  للاستخدام المنزلي، أما رئيس قسم الكلى بمستشفى الشفاء د. عبد الله القيشاوي فأكد ان هناك زيادة في عدد مرضى الفشل الكلوي في قطاع غزة وان السبب هو تلوث المياه واحتواؤها على نسبة مرتفعة من النترات والكلورايد ، وكانت الأمم المتحدة قد حذرت في تقرير شامل أصدرته خلال العام المنصرم ان المياه في قطاع غزة لن تكون صالحة للاستخدام البشري في 2020، أما المسؤولة في  اليونيسف جون كنوغي فأوضحت ان 10% من سكان غزة يملكون إمكانية الوصول إلى آمنة، فيما أوضح المهندس زيدان أبو زهري مسئول قسم المياه في منظمة اليونيسيف ان 97% من مياه الخزان الجوفي غير ة صالحة  للشرب، ويشاركه الرأي والنسبة السيد سامي لبد مدير دائرة البيئة في وزارة الصحة الفلسطينية حيث يقول أن 97% من مياه القطاع غير صالحة للشرب ، وبالتالي يترتب على ذلك كارثة مائية.

 

أمام هذه الأقوال والأرقام الصادمة عن وضع المياه في قطاع غزة نجد لزاما تسجيل الملاحظات المؤسفة التالية:

 

- تراجع الاهتمام ببناء الإنسان عبر توفير حاجاته الأساسية وفي مقدمتها المياه عن ان يكون الاهتمام رقم 1 لصالح اهتمامات مظهرية أخرى (وربما تجارية ربحية ) مثل القرى السياحية والمنتجعات وأماكن الترفيه والسياحة مع عدد ومساحات محطات إنتاج المياه الصالحة أو توليد الطاقة.

- الاكتفاء من قبل الجهات المسئولة بالشعارات وتوزيع الاتهامات على هذا الطرف او ذاك، بدلا من  الفعل الجاد والصادق والحثيث لحل تلك الإشكاليات.

- السياسات المتبعة في الدول العربية ومنها فلسطين تجاه الإنسان وأوليات بنائه والنهوض به تدفع بقصد او بدون قصد إلى تنامي ظاهرة العقول المهاجرة، حيث تجد هذه العقول في دول الغرب (مع كل الأسف ) ما يحقق ذاتها المادية والمعنوية.

- غياب العدل و المساواة والمحاسبة والشفافية لدى السلطات الحاكمة في مواجهة الأزمات التي يعاني منها المجتمع الفلسطيني عامة والغزي  خاصة ، تفاقم هذه الأزمات والتي يكتوي بنارها المواطن العادي المغلوب على أمره.

- ما لم يتم إعادة الاعتبار والاهتمام ببناء الإنسان روحيا وفكريا لبناء الإرادة لديه، وماديا ومعنويا ليستطيع تحمل أعباء المواجهة مع الاحتلال الصهيوني الظالم، فلن  نستطيع تحقيق ما نصبو إليه.

التعليقات : 0

إضافة تعليق