عبد الله الشاعر
صباح القابضين على الشمس لكيلا يستبدّ الظلام بالأمّة، ولكيلا تخنقها الرطوبة السياسيّة والعفن البغيض... صباح الحرّة التي تجوع ولا تأكل بثديَيْها... صباح الأبيّة التي تستعصي على الركوع، ولا تبيع أبناءها في سوق النخاسة.
صباح المدينة التي تعشق النجوم، فتغدو قمر هذه الأمّة التي تحاصرها الدياجير، وتجترح من عتمتها نجوماً من عزٍّ، وحكايا من بطولات.
صباح العرين الذي لا يخون أسوده، والقلاع التي لا تُفرّط بمقاتليها...تذود عنهم بالصبر والمصابرة، وتطعمهم لحمها كي لا يجوعوا، وتُضمّد جراحاتهم كلّما أغلق المرتزقة معابرهم، وبالغوا في لفّ الحبل على أعناقها.
صباح المدينة التي تفتح للتاريخ أبوابها، وتنادي – رغم اختناقها – في العالمين: يا ثوّار الأرض، تعالَوْا إلى كلمة عزٍّ بيننا وبينكم، وراية نصرٍ نُخضّبها وإياكم، ورميةِ حقٍّ في وجه جالوت الذي يملأ الأرض جوراً وظُلما.
صباح البيوت المرصوفة من حجارة الصمود، والمخيّمات التي تُشرع أبوابها للمقاومين، وتجاهر في عنادها، وتقول: يا فرسان الأمّة، ادخلوا غزّةَ إن شاء الله آمنين، رافعين رؤوسكم مستبسلين، لا يضرّكم من حاصركم، ولا يفتُّ من عزيمتكم من خانكم، وكونوا يداً على المحتلّ لا تُبقي للغاصب عُلوّاً ولا تذرُ.
صباح الفتية المصنوعين من رياحين، والطفولة التي تقاوم اليأس بأطراف قلبها الغضّ، ولا تموت.
صباح العوائل التي لا تجد خبز الصباح فتصوم عن الدنايا، وتُلقم أبناءها ثديَ الصمود والكبرياء
صباح الأزقّة التي تحفظ للمدينة تواريخ صمودها، وتتآكل حجارتها ولا تصدأ فيها ذاكرة.
صباح الشوارع التي تحوّلت إلى ميادينَ للعزّ، وتواريخَ مرصوفة بعبق الشهادة، وبسالة المقاتلين الذين قضَوْا نحبهم دون أن يُبدّلوا تبديلا.
صباح الجرحى الذين أعطبتهم الحرب ولم ينكسروا...يئنّون بصوتٍ كلّه عزٌّ، ويقفون على أُهبة النفير رغم تقطّع أطرافهم، وقلّة ذات أيديهم إلا أنّ أرصدتهم من العزيمة عالية، ويقينهم بالنصر كبيرٌ وكبير.
صباح الأطفال الذين يرجمون الطائرات بالسخرية، ويُجابهون الأباتشي بطائراتهم الورقيّة، ويتحدَّون الغزاة أنْ يمرّوا من شوارع غزّة راجلين أو في ناقلاتهم مُحصّنين.
صباح المدينة التي تجوع لتشبع الأمّة عزّةً، وترتدي أثواب العزّة والانتصار؛ لكي يتوقّف العُريُ العربيّ، والسقوط في أحضان الطغاة.
صباح الحرّة التي تنجو من مطاردة الجاهليّة العربيّة التي تحاولُ وَأْدَها وتقاوم، تُعلّم الأجيال معنى الكرامة، وتسعى جاهدة لغسل واقعهم من العار الذي ألحقه الحكامُ الخونة بتاريخها.
يتعبُ القهر في جنباتها ولا تتعب، ويمتصّ الحرمان كل ملامحها ولا تُعطي الدنيّة لعتلٍّ زنيم...
منذ عقدٍ ويزيد وهي محشورة بين القناصة والقراصنة... بين الجوع والمرض...بين أعرابٍ متآمرين، ومرتزقةٍ سفلةٍ، وعدوٍّ جبان...لكنها عبثاً تموت، او تُسقطَ البندقيّة من يدها.
صباح العزّ يا بلداً يُسطّر في التاريخِ ملحمةً من صبرٍ وتضحيةٍ وبطولة.


التعليقات : 0