راسم عبيدات
علينا ان نتفق انه لا وجود لما يسمى باليسار في دولة الاحتلال, والصراع كما شاهدنا في الفترة الأخيرة على من يتولى وزارة الجيش والحرب الصهيوني عندما استقال ليبرمان منها وانسحب حزبه من الحكومة كان يدور بين أقطاب اليمين العلماني المتطرف واليمين الديني المتطرف, والطرفان متفقان على نظرية واحدة، بأنه لا لمنح الفلسطينيين أية حقوق سياسية ووطنية ولا للعودة لحدود الرابع من حزيران 1967، ولا لدولة فلسطينية وعاصمتها القدس ولا لعودة اللاجئين والقدس «موحدة» وعاصمة أبدية لدولة الاحتلال.
وضمن هذه النظرية وعلى أساسها يواجه نتنياهو مقاومة الضفة الغربية التي دقت أبواب الاحتلال، معتقداً ومتوهماً بان الشعب الفلسطيني وصل حد الاستسلام، في ظل قيادات فلسطينية «تجتر» نفس المقولات والعبارات الإنشائية منذ ربع قرن بالحديث عن ماراثون تفاوضي عبثي، بهت صورة النضال الوطني الفلسطيني، وأظهرنا كشعب ذليل مستكين يستجدي ربع أو نصف حقوقه من المحتل الرافض لكل شيء له صلة بحل سياسي يعطينا جزءاً من حقوقنا المغتصبة, ونتنياهو الذي يعيش مأزقه بأزماته الداخلية سياسية وعسكرية وقضائية وخارجية إغلاق المجال الجوي السوري أمام طائراته، وفشل العقوبات الأمريكية على طهران، وعدم القدرة على إخراج قواتها من سوريا وكذلك عدم قدرته على شن حرب على حزب الله، حيث كانت عملية ما يسمى ب «درع الشمال» عبارة عن بالون منفوخ جرى تنفيسه ليتمخض الجبل ليس فأراً، بل فئيراً صغيراً.
الحديث عن كشف ثلاثة انفاق ليست جاهزة، أو لربما هي سيناريو ومسرحية من مسرحيات نتنياهو الذي يجيد « الببروغندا» والعلاقات العامة التي تبعد التفاف الحبل حول رقبته وتخرجه من مازق المحاكمة بسبب فساده وخداعه وانتهاك الأمانة، وما يترتب على ذلك من نهاية مستقبله السياسي وقضاء العديد من السنوات خلف قضبانه.
شعبنا في الضفة الغربية كما هو الجمل العربي الأصيل، الذي يتمتع بالصبر وطول النفس، ولكنه إذا ثار فإن ثورته عنيفة وينتقم من كل من يحاولون إذلاله والنيل من صموده وحقوقه وكرامته, ولذلك أتت وتأتي المقاومة الفلسطينية في الضفة الغربية في إطار الرد على كل جرائم الاحتلال وعربدات مستوطنيه والتي وصلت حداً لا يطاق، وعلى إرهاب الجماعات الصهيونية المسماة ب « تدفيع الثمن» التي تعتدي على المواطنين الفلسطينيين وممتلكاتهم وأماكن عبادتهم وحتى مقابرهم دون ان يجري اعتقالهم أو حتى مساءلتهم على تلك الجرائم.
نتنياهو في إطار مواجهته لعمليات المقاومة في الضفة الغربية، والتي وحدت الشعب الفلسطيني على طول وعرض الجغرافيا الفلسطينية، قال بأنه سيستخدم أقصى أنواع القوة من اجل القضاء على المقاومة الفلسطينية، ولجأ إلى خياراته المعهودة والتي خبرها وجربها جميعاً، وهي التي تعبر عن مأزقه وإفلاسه، حيث أعلن سن واتخاذ المزيد من الإجراءات القمعية والتنكيلية بحق شعبنا الفلسطيني، منها هدم منازل الشهداء منفذي العمليات، والقيام بعمليات اعتقالات إدارية واسعة تشمل الضفة الغربية والقدس، وتسريع وزيادة وتائر الاستيطان، وتكثيف الوجود العسكري والشرطي على الحواجز والشوارع، والاستمرار في عمليات الحصار والاقتحام والدهم والتفتيش للقرى والمدن الفلسطينية، وسحب تصاريح العمل ليس من عائلات منفذي عمليات المقاومة، بل البلدة التي خرجوا منها, وكأن الاحتلال ونتنياهو وأجهزته الأمنية، لم يمارسوا ويجربوا كل هذه الأشكال من العقوبات الجماعية بحق شعبنا في القدس والضفة الغربية، بما في ذلك احتجاز جثامين الشهداء، وحتى اعتقال من حضروا حفلة زواج بنت الشهيد مصباح أبو صبيح المحتجز جثمانه.
الاحتلال وقادته ومستوطنوه أصيبوا بحالة من الهوس والسعار، حيث وجدنا قطعان المستوطنين وسوائبهم تنفلت من عقالها تحت حراسة جيش الاحتلال، وتقوم بإغلاق مداخل القرى الفلسطينية، والشوارع المؤدية إليها، وكذلك الشوارع الواصلة بين المدن الفلسطينية، والشروع في الاعتداء على المواطنين وممتلكاتهم ومركباتهم بطريقة وحشية، حيث أصيب العديد من المواطنين بجروح بعضها خطير ومتوسط، ناهيك عن عدم قدرة الكثير منهم من العودة لمنازلهم، وقد اظهر شعبنا في تأمين أماكن النوم واستضافة من تقطعت بهم سبل القدرة على العودة ، حالة تضامنية عالية تذكر بانتفاضة شعبنا الأولى، انتفاضة الحجر كانون أول /1987.
المحتل بإطلاق سوائب المستوطنين، يريد أن يبث الذعر والخوف في صفوف أبناء شعبنا الفلسطيني، وان يبعت برسائل لهم، بان ثمن مقاومتكم سيكون باهظاً جداً، ولن يقتصر على ما تقوم به أجهزة الأمن الإسرائيلي والجيش من قمع وتنكيل واعتقال وتدمير وتخريب وسحب تصاريح عمل واستيطان وحتى قتل، بل سيتم تحويل حياتكم إلى جحيم لا يطاق، من خلال انفلات المستوطنين من عقالهم، ومهاجمتكم على مدار الساعة.
في ظل انسداد أفق سياسي، وصفقة قرن يراد لها ان تشطب وتصفي قضيتنا بشكل نهائي، فإن الإنسان الفلسطيني بعد سبعين عاماً من الاحتلال بات يدرك بأن لا يلتفت إلى خيارات جربها مائة مرة، ولا يجرب المجرب إلا من عقله مخرب، وهو لم يعد مقتنعاً بالثرثرات السياسية والحديث عن حلول ومؤتمرات ودهاليز مفاوضات عبثية لها مؤلفوها وواضعو عروضها، فهو لا يرى في تلك القيادات السياسية، قيادات حقيقة تعبر عن طموحاته وتطلعاته وتلامس نبضه، بل هي لا ترى في الوطن سوى مشروع استثماري وصفقة هنا وهناك وهذا الفلسطيني بات على قناعة تامة بان ما جرى ويجري سيجعله يخسر وطنه لهذا بوصف الكاتب نصار إبراهيم» فإنه يواصل «جنونه» فلا يعترف بنصف وطن أو ربع وطن أو شبه وطن فإما أن يكون الوطن كاملا أو لا يكون هذا الفلسطيني الذي لا يجيد، في مسألة الوطن، لغة السوق والسماسرة يعيد تأكيد البديهيات على طريقته إنه يعرف أنه لا يملك طائرة ولا دبابة ولا غواصة ولا مدمرة ولا نفطا أو غازا لكنه مع ذلك يقرر أن يذهب إلى دائرة النار والاشتباك ويقرر بكامل وعيه وإرادته أن يموت كند هو يعرف النتيجة القائمة لكنه مع ذلك يواصل التقدم وكأن ذلك لا يعنيه يحمل في قلبه رسالة سياسية وإنسانية وأخلاقية تقول الرسالة: أنا الفلسطيني أحب الحياة ما استطعت إليها سبيلا لا أقدس الموت إلا بقدر ما يكون طريقا لوطن حر ودربا للحياة كما أريدها.
نتنياهو ومستوطنوه مهما غالوا في القمع والتنكيل والعقوبات الجماعية بحق شعبنا في الضفة الغربية، فهو لن يتراجع عن خياراته وحقه في الحرية والاستقلال والانعتاق من هذا الاحتلال ويبقى السؤال الجوهري هل سيوحد الدم الفلسطيني ما فرقته المصالح والرهانات والحسابات الخاطئة أم سنبقى ندور في الحلقة المفرغة ونعلي مصالحنا الخاصة فوق المصالح الوطنية العليا لشعبنا؟


التعليقات : 0