جميل عبد النبي
قال تعالى:" طه* ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى"
جاءت كل السورة بعد هذه المقدمة بمثالين عن تجربة كل من موسى وآدم عليهما السلام، تسرية- على ما يبدو- للنبي محمد، والذي يبدو أيضا أنه كان في حالة من الضيق من شدة أذى المشركين، يحتاج معها إلى التسرية والطمأنينة.
في كل الأحوال، عملت هذه المقدمة المختصرة" ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى" على اختصار وتوضيح السبب الذي أنزل لأجله القرآن الكريم، أو نفي ما يمكن أن يظنه الناس جزءا من ضرورات الإيمان، وهو" الشقاء"
بكلمة أخرى: فإن القرآن- أو هكذا يجب أن يكون- ما أنزل لجلب الشقاء، وإنما لدفع كل مسبباته المتمثلة في جملة من الانحرافات السلوكية التي تتناقض وكل ما يسعد الناس، وتجعل من حياتهم حياة هادئة آمنة، ملؤها الاستقرار النفسي والاجتماعي.
ولتحقيق هذه الغاية الكلية للقرآن الكريم، فلقد طلب من الناس أن يؤمنوا بالله العظيم، كمالك حقيقي لدنيا قد تستهويهم مغرياتها لأن يسيئوا التصرف، ظنا منهم أنهم امتلكوا الدنيا بلا حسيب ولا رقيب، ثم قرن إيمانهم بالله بضرورة الإيمان باليوم الآخر، كموعد لا بد منه للثواب والحساب على فعل الدنيا.
الإيمان بالله واليوم الآخر إذن يأتي كضامن لوجهة السلوك الأخلاقي الذي سيحث عليه القرآن لجلب السعادة ومنع الشقاء.
ثم جاء القرآن بمنظومته الأخلاقية التي جعل الالتزام بها جزءا من الإيمان بالله واليوم الآخر" وعملوا الصالحات"
النظرة الكلية للقرآن الكريم ستصل بنا إلى هذه النتيجة.
الإيمان بالله. الإيمان باليوم الآخر. منظومة الأخلاق التي لم تخل منها سورة من سور القرآن الكريم، والتي يجب ان تحتكم إليها كل تصرفاتنا وتعاملاتنا اليومية مع الآخرين.
لكن القرآن لم يكن يتنزل في الفضاء، وإنما على مجموعة من الناس تحولت إلى مجتمع بفعل حركة الزمن التي بدأت برفض قريش للدعوة، ومن ثم التفاف مجموعة محددة من الناس حول النبي محمد عليه السلام، ثم هجرتهم إلى المدينة وقيام ما يشبه الدولة.
في حالة كهذه كان لا بد للقرآن الكريم أن يساير حركة المجتمع، ومن ثم لا بد وأن يقدم علاجا او توجيها لمواقف معينة كان المسلمون يتعرضون لها بين الحين والآخر، لكن ما لا تخطئه العين أبدا أن القرآن الكريم كان يعالج القضايا التفصيلية تحت سقف المعايير الكلية المتمثلة في الإيمان بالله واليوم الآخر ومنظومته الأخلاقية، فهو مثلا كان يحرض على القتال حينما تتعرض الجماعة المسلمة للخطر، لكنه كان يذكرهم بأن القتال ليس غاية في ذاته، وإنما وسيلة لكف الأذى، أما وإن ارتفع الأذى فلم يعد القتال مطلوبا ولا مشروعا" فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين".
أيضا لم يكن القرآن الكريم يتجاهل الأدوات والوسائل والأعراف المتعلقة بالقتال في تلك اللحظة، وإنما كان يسمح أو يأمر بمراعاتها، مكتفيا بتهذيبها تحت سقف المعايير الكلية.
ليس في القتال وحسب، وإنما في كل التفاصيل الدنيوية المتحركة، لم يحدث القرآن انقلابا كليا على الأعراف المحلية، سوى ما يتناقض منها كليا مع معاييره الكلية، ما دون ذلك كان القرآن يعالج التفاصيل بمعايير الثوابت الكلية.
هذا لا يعني إلا شيئا واحدا: أن الثابت الديني الذي لا يتغير مع تحولات المجتمع هي تلك القضايا الكلية المعيارية التي من شأنها ضبط التفاصيل المتحركة والمتطورة وفق حركة المجتمع وتطور أعرافه، أما المعالجات التفصيلية، فليست هي المقصودة في ذاتها بأدواتها ووسائلها، إنما بغاياتها ومعاييرها، حيث الوسائل والأدوات بنات اللحظة العرفية المتحركة. مكمن الخطر والذي من شأنه أن يحول القرآن مصدرا للشقاء وليس مصدرا للسعادة، بخلاف ما قرره القرآن نفسه" ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى" يتمثل في الخلط بين المعالجات اللحظية والمعايير الكلية، حيث ستصبح وسائل تلك المعالجات اللحظية مقدسا سنصر على تطبيقه حرفيا على واقع لا يشبه واقع لحظة استخدام القرآن لتلك المعالجات.
ما يعني السعي لتجميد اللحظة التي لا يمكن إلا وأن تتحرك، هنا سنبدو كأصحاب الكهف القادمين من عمق التاريخ، الذين يظنون أن ما لديهم من ورق( بكسر الراء) يمكن أن يكون صالحا رغم مئات السنين التي مرت على بضاعة زمانهم القديم.
هذا بالضبط ما سيجعل الدين بكليته إحدى أخطر وسائل تعطيل الحياة الإنسانية، بدلا من كونه معيارا كليا يمنع انزياح الحياة اليومية في اتجاهات غير أخلاقية وغير إنسانية.
ولأن هذا ما حدث بالفعل في التاريخ الديني، وجدنا كيف تستغرق تفاصيل المعالجات اللحظية كل العقل الديني الفقهي، بينما لا تكاد تجد أثرا للمعايير الكلية الأخلاقية الإنسانية التي جعلها الدين أهم ثوابته، وعليه وبكل أسف فإن نتاجات العقل الديني الفقهي المنتمي إلى مدرسة التفاصيل، أهملت القضايا الإنسانية وحقوق الإنسان بشكل كبير، حيث ينعدم تقريبا وجود خريجي هذا النمط الديني في هيئات ومؤسسات حقوق الإنسان!!! فتلك ليست قضاياهم، وإنما شاغلهم الأكبر، كيف يعيدون تطبيق ذات وسائل وأدوات المعالجات التاريخية على بيئة وواقع لا يشبه واقع تلك المعالجات.


التعليقات : 0