ماراثون التطبيع العربي واستهدافاته... سمير الشريف

ماراثون التطبيع العربي واستهدافاته... سمير الشريف
أقلام وآراء

سمير الشريف

لم نكن يوما لنشك في ان التطبيع بين النظام الرسمي العربى (الرجعى) وكيان الاحتلال الإسرائيلي دونه عراقيل ومشكلات، بل منذ اللحظات الأولى لنكبة الشعب الفلسطيني كانت هناك اتصالات مباشرة وغير مباشرة مع مسؤولين إسرائيليين، مرة تحت ذريعة التخفيف من الخسائر ومرة أخرى من اجل معالجة الوضع الإنساني الناشئ عن العدوان، لكن في المحصلة النهائية كان الجميع يلتقي عن ضرورة الاعتراف بالواقع المستجد المتمثل بوجود الاحتلال الذي تم تشريعه قانونا عبر الاعتراف به عضوا كامل العضوية في الأمم المتحدة ومؤسساتها.. كان للاستعمارين البريطاني والفرنسي دور هام ورئيسي في إخراج هذا المولود إلى حيز الوجود عبر مده بكل أشكال الدعم بنفخ الروح فيه بريطانيا ومده بسبل البقاء أمريكيا وبقوة الردع فرنسيا.

 

إلا ان هذا ظل، بعين المنظرين الاستعماريين الأوائل، ناقصا ما لم يقرن بحاضنة إقليمية تعمل على التخفيف من وطأة ما حدث وما سيحدث لاحقا، فجرى العمل على التزواج بين أشكال الدعم الاستعماري لهذا المشروع و بين خلق كيانات عربيه ترتبط مصيريا معه. خاصة وان خلفية تأسيس بعض الدول جاء بدعم الاستعمار البريطاني الذي وجد فيها ضمانة لحماية طرق الإمداد إلى المستعمرات خاصة في الهند. وهنا يمكن الإشارة إلى خلفيات توحيد القبائل والإمارات المختلفة تحت حكم القبيلة الأكبر نفوذا لتتسلم قيادة هذه الدولة التي أصبحت فيما بعد ركنا أساسيا من أركان المشروع الغربي في المنطقة.

 

غير ان ضمان طرق الإمداد لم يكن السبب الوحيد، فكان لا بد من شرطي للمنطقة يتكامل دوره مع الدور المطلوب من بعض الأنظمة الرسمية العربية إلى أن كانت إسرائيل التي حلت للاستعمار الغربي مشكلتين: أولهما ضمان المصالح الغربية في المنطقة من خلال التلاقي أو الاندماج بين أطماع الدول الاستعمارية والمزاعم التاريخية للحركة الصهيونية، وثاني هذه الأسباب كسر الغيتو اليهودي في الكثير من الدول الأوروبية التي رأت بهذا المشروع فرصة للتخلص من مكائد الحركة الصهيونية والشعارات التي كانت ترفعها بكره الشعوب الأوروبية لليهود.. وعلى هذه الأرضية تلاقت مصالح الاستعمار الغربي والحركة الصهيونية ومصالح زعماء القبائل العربية الذين وجدوا بالدعم الغربي فرصة للحفاظ على سلطتهم.. ولنا في ثورة عام 1936 اكبر مثال لجهة التدخلات الرسمية العربية على أعلى المستويات والتي أفضت إلى جانب أسباب أخرى في رب الثورة وركائزه وهي التي كانت على أعتاب فرض مطالبها وشروطها على المستعمر..

 

لم تكتف الدول الاستعمارية بتكثيف علاقاتها مع الدول السابقة، بل مدت خيوطها باتجاه دول في شمال إفريقيا لتحكم قبضتها بشكل كامل على الوطن العربي ولتكون قادرة على الوقوف في وجه المشروع التحرري العربي ومناصبته العداء من قبل بعض هذه الدول التي دعمت حركات سياسية مناوئة لهذا المشروع ومدته بالمال والعتاد بحيث باتت الصراعات اليوم في بعض الدول تتقدم على الصراع الأساسي مع العدو الإسرائيلي. ولعل الفارق بين اليوم والأمس هو انه ما كان يجري سرا ومن تحت الطاولة أصبح اليوم أمرا طبيعيا، بل ان بعضهم بات يتباهى انه أول من طرق باب إسرائيل لدرجة يمكن إطلاق وصف «ماراثون التطبيع» على الحالة التي وصلها النظام الرسمي العربي في تعاطيه مع التحديات التي تواجه كل المنطقة العربية..

 

مسار الأحداث في المنطقة العربية منذ رحيل الرئيس جمال عبد الناصر وحتى اليوم، يبرز ان ليس هناك من حدث، مهما كان بسيطا، إلا وكان مخططا له، لكن تختلف التطبيقات بين بلد ممانع ولديه حد من الحصانة الوطنية وبلد آخر أبوابه مشرعه أمام التدخلات والمكائد الخارجية.. فمن حرب أكتوبر عام 1973 والتي أفضت إلى انتصار عربي حقيقي إلى توقيع اتفاقية كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل والتي كانت بداية الاختراق الإسرائيلي الرسمي للجسم العربي، لتبدأ بعد ذلك رحلة طويلة ومعلنة من التطبيع الرسمي مع إسرائيل من المغرب وتونس إلى الأردن وقطر والبحرين والإمارات والسعودية وغيرها من دول لم تعد تجد بالعداء لإسرائيل أمرا مربحا وتحت يافطة «العصر الأمريكي، إلى تفكك الاتحاد السوفياتى وحرب الخليج التي قضت على ما تبقى من شيء كان اسمه «تضامناً عربياً»، إلى دخول الجيش الاميركى الأراضي العربية واحتلاله لدول الخليج العربي تحت مسميات متعددة، إلى ابتداع وهم «الصراع السني الشيعي» ثم «ثورات الربيع العربي» وما تبعها من فوضى لا زالت تعم أكثر من بلد عربي..

 

أما على المستوى الفلسطيني، فقد جاء اتفاق أوسلو ليشكل نهاية لفصل انطلقت مشاهده منذ زمن، وليقدم ذريعة لبعض الدول التي ظلت حتى وقت قريب متكتمة على علاقاتها بإسرائيل، ولترتفع عاليا يافطة «لن نكون ملكيين أكثر من الملك»، وهنا صدق من قال: «إذا كان رب البيت بالدف ضارباً فشيمة أهل البيت الرقص». ورغم ان هذا الشعار كان إعلانا رسميا من النظام الرسمي العربي لانتهاء حالة العداء مع إسرائيل، فان القيادة الرسمية الفلسطينية لم تقدم المثال الجيد أو النموذج الذي يجب ان يحتذى به، بل بعض رموز هذه القيادة كانت حريصة على تحقيق الاختراق في الجسم العربي لتبرير سياساتها التي يمكن اختصارها بشعار « يا وحدنا»، بينما على ارض الميدان كان للمشروع الإسرائيلي يحقق اختراقات كبيرة سواء على مستوى الاستيطان والتهويد أو على المستوى الداخلي بمحاصرة الفلسطينيين في الضفة وفي أراضي عام ١٩٤٨ بعشرات القوانين العنصرية التي توجت جميعها بقانون القومية اليهودية في إسرائيل والذي أعلن عن بداية مرحلة جديدة من النضال الفلسطيني.

 

إذا كان جوهر المشروع الأمريكي الإسرائيلي «صفقة القرن» يستهدف القضية الفلسطينية بجميع عناوينها، فان الشعوب العربية ليس بمنأى عن تداعيات هذا المشروع، بل هي مستهدفة بأرضها وثراتها وسيادتها وبحقها في اختيار مستقبلها السياسي والاقتصادي ما يجعل من النضال العربي والفلسطيني أمرا ملحا سواء لجهة التنسيق بين قوى المقاومة في فلسطين وقوى الممانعة على مساحة العالم العربي، خاصة لجهة مقاومة التطبيع وتفعيل حملات المقاطعة للبضائع والمنتوجات الأمريكية،إذ ليس منطقيا ان تكون حملات المقاطعة (BDS) في الدول الأوروبية متقدمة وأكثر زخما مما هو حاصل في الدول العربية، وهذا يطرح مهمات مباشرة على جدول أعمال الحركات الشعبية العربية سواء كانت أحزاباً سياسية أو مؤسسات نقابية واجتماعية وروحية وهيئات شعبية..

 

فلسطينيا المطلوب اليوم هو طي مرحلة أوسلو والسعي لفك الارتباط بجميع الإفرازات السلبية لهذه المرحلة ما يفتح الباب واسعا أمام مهمة إعادة الاعتبار للمشروع الوطني الفلسطيني باعتباره مشروعا تحرريا وهذا يتطلب إنهاء الانقسام واستعادة الوحدة الوطنية على قاعدة الشراكة الوطنية الكاملة وإنهاء جميع البني السياسية التي أدت وتقود إلى تأسيس نظام فلسطيني تسلطي لا مكان فيه لتعددية سياسية كانت يوما ما محط اعتزاز كل الفلسطينيين.

التعليقات : 0

إضافة تعليق