المقاومة وانقلاب الصورة لدى الصهاينة... تيسير الغوطي

المقاومة وانقلاب الصورة لدى الصهاينة... تيسير الغوطي
أقلام وآراء

تيسير الغوطي

عندما فكر الصهاينة بالقدوم إلى فلسطين أشاعوا أنها أرض بلا شعب، وان الأقلية السكانية الموجودة فيها سترضخ وتقبل إذا ما توفرت لها الأسباب المعيشية التي تضمن لها الاستمرار في الحياة، وعندما خاض الصهاينة الحرب والقتال مع الجيوش العربية، لم يروا من هذه الجيوش خاصة قياداتها إلا الضعف والاستسلام والهروب من المعركة، والبحث عن أسباب النجاة وإشباع شهوتي المال والسلطان حتى ولو بالخيانة والعمالة للمشروع الصهيوني، فكان التوسع والانتشار والانتصار للكيان الصهيوني، والهزيمة والدمار وفقدان الأرض والإنسان للأنظمة العربية، وهذا ما جسدته النكبة الأولى بفلسطين عام 1948م، والهزيمة المذلة للعرب عام 1967، مما أعطى مزيدا من الدعم الصهيوني للتمسك بمشروعه الاستعماري في فلسطين ومحاولة التمدد لما هو أبعد من ذلك، يقول أخصائي علم الاجتماع الصهيوني زئيف عوديد « جيلنا تعود على صورة العربي الجبان الغدار الماكر، صاحب الكوفية والعقال، السمين الذي يركب الحمار دوما ويأكل البيض المسلوق ويشرب الشاي، صورة الجندي العربي كانت في عيني أبناء جيلي صورة إرهابي جبان أو جندي مستسلم، هذا الجندي الذي كان يهزم في كل معركة دون أدنى جهد يذكر، وحينها ترسخت في أذهاننا صورة الجندي اليهودي الذي لا يقهر».

 

ومع مرور الأيام والأحداث أدرك الفلسطيني دوره الحقيقي والموقع الذي يجب ان يكون فيه، فبدأت تتشكل الفصائل الفلسطينية المسلحة، وبدأ العمل الجهادي المسلح ضد الكيان الصهيوني منذ العقد السادس من القرن الماضي، مرورا بالعمليات الفدائية في سبعينيات القرن الماضي ثم الانتفاضة الأولى عام 1987، والثانية عام 1999، مصحوبا بالتقدم والتطور في الأساليب والأفكار، حتى وصلنا إلى ما نراه اليوم من تقدم في الخبرات والعتاد العسكري، وقبل ذلك في الروح القتالية والاستشهادية التي صنعت لنا نماذج فخر واعتزاز في الجهاد والمقاومة ومواجهة الأعداء، لا تلغي الصورة القديمة التي ترسخت في ذهن الصهاينة عن العربي والفلسطيني، بل وتقلب هذه الصورة إلى نقيضها تماما، ومن هذه الأمثلة (للتذكير وليس للحصر) ذاك الشاب الفلسطيني الذي لم يتجاوز السابعة عشرة من عمره وهو يطعن مجموعة من الجنود الصهاينة المدججين بالسلاح، فيما هم يهربون أمامه وفي كل الاتجاهات رغم عددهم الكبير والأسلحة التي يحملونها، وذلك الشاب الذي ترجل قبل أيام من السيارة على أحد الحواجز الصهيونية على أبواب رام الله، واقتحم نقطة الحراسة وقتل جنديين وأصاب الثالث من مسافة الصفر، واستولى على سلاح أحدهم ثم غادر المكان مشيا على الأقدام واختفى عن الأنظار، فأي شجاعة هذه، وأي جرأة تلك التي يمتلكها هذا الشاب الفلسطيني وغيره الكثيرون وهذه مقدمات ومبررات الانتصار القادم ان شاء الله.

 

الشجاعة والإقدام والجرأة ومحاولات حيازة وامتلاك الأسباب المادية من أسلحة متقدمة وأساليب عسكرية متطورة ... الخ، أدت إلى انقلاب الصورة لدى الصهيوني عن الفلسطيني والمقاومة الفلسطينية، فقد عرضت القناة العاشرة في التلفزيون الصهيوني 16/12/2018 تقريرا عن حياة عائلة صهيونية جاءت من الأرجنتين وتسكن في غلاف غزة، وحين سألوا طفلا يبلغ من العمر عشر سنوات (ضمن التقرير) ممن تخاف بشكل عام؟ كان جوابه ان يخرج عربي من النفق ويأخذني أثناء نومي .

 

ويعلق أخصائي الاجتماع الصهيوني زئيف عوديد مناحم على هذا الجواب قائلا» هذا الجواب وضعني كأخصائي علم اجتماع أمام حقيقة مفزعة وهي صورة العربي في أذهان الجيل الجديد»، وبعد ان يستذكر صورة العربي في ذهنه وذهن أبناء جيله السابق الإشارة إليها يقول «لكن الصورة الآن تغيرت بشكل جذري وخطير، فأبناء جنوب إسرائيل البالغين من العمر عشر سنوات أصبحوا يرون العرب وبالذات مخربي حماس وحوشاً مرعبة تخرج من بطن الأرض لتخطف جنودنا، يرون «مخربي» حماس على وسائل الإعلام يقتلون الجندي الإسرائيلي الذي نعلمهم في المدارس انه المنتصر دوما وأنه لا يقهر، وإذا ما أضفنا إلى ذلك الحياة في الملاجئ وصوت صفارات الإنذار وبكاء الأمهات حين الهرب إلى الملاجئ، فكل هذه الصور تجعلنا نبدو ضعفاء أمام الجيل القادم ، وتتكون صورة في اللاوعي عند هؤلاء الأطفال ان تنظيم حماس هو عدو وحشي قوي لا يرحم وأننا مهزومون»، ويضيف عالم الاجتماع قائلا « أدركت مدى فداحة الوضع أثناء الحرب الأخيرة ، وأنا أرى الركض نحو الملاجئ في بنايتي في أسدود ، وبكاء الأمهات والأطفال حين سألت طفلة مذعورة أمها الباكية هل المخربون قادمون لذبحنا؟»، ثم يعلق بعد ذلك قائلا «هؤلاء الأطفال سيصبحون جنودا بعد ثماني سنوات وأنا أتساءل: أي جيل هذا الذي سيدافع عن دولة إسرائيل وقد تربى على الرعب من أعدائنا؟ ، أي جيل هذا الذي سيقوم بحمايتنا من الإبادة العربية القادمة وهو يرى قادة دولة إسرائيل مهزومين في غزة «، ويخلص إلى النتيجة الحتمية المؤلمة للصهاينة والمفرحة والمبشرة لنا بقوله «ان هذا الجيل لن يكون جيلا عسكريا محاربا مثل آبائهم وأجدادهم، بل سيكون جيلا مترددا ومرتبكا يفزع من ذلك الملثم الخارج من النفق».

 

انقلاب الصورة سيكون إن شاء الله سببا من الأسباب التي بدأت تتراكم لدى المقاومة الفلسطينية والمحور الداعم لها، والتي ستؤدي لهزيمة الكيان الصهيوني وزواله من الوجود وتحرير فلسطين كل فلسطين إن شاء الله، ولن يعيق هذا التحرير مواقف المتخاذلين والطابور الخامس من العرب والفلسطينيين، الذين قبلوا على أنفسهم ان يكونوا أدوات حماية ودعم للكيان الصهيوني للحفاظ على مصالحهم ومواقعهم، سواء كان ذلك بتبني المواقف السياسية والإعلامية الداعمة للكيان الصهيوني، أو المواقف العملية بملاحقة ومطاردة المجاهدين وتسليمهم للصهاينة لإعدامهم او اعتقالهم.

التعليقات : 0

إضافة تعليق