د. عبد الستار قاسم
تسببت الأزمة السورية بصراعات متنوعة على الساحة العربية، وأهلكت تحالفات وشكلت تحالفات جديدة، واندثرت علاقات وحلت محلها علاقات أخرى، وكان التنابز والشقاق أهم سمات مرحلة الأزمة، وتعددت الخصومات، واحتدم الجدل واشتد.
تركيا كانت تأمل بإلغاء الحدود بينها وبين سوريا، والشاحنات التجارية التركية كانت لا تتوقف وهي تنقل بضائعها إلى دول عربية عبر سوريا، وسوريا كانت تطمئن للدور التركي وأنه سيكون عونا لها لا عليها. قطر كانت تحتفظ بعلاقات طيبة مع سوريا، وسبق للقرضاوي أن زار لبنان وسوريا مشيدا بالمقاومة وبالرئيس السوري. واللبنانيون كانوا يرجون من التعاون السعودي السوري (معادلة السين سين) لحل مشاكلهم الداخلية التي تصنعها الطوائف، الخ. انقلبت كل هذه الأمور وغيرها بعد نشوب الأزمة السورية، وتطورت معادلات جديدة في المنطقة استفاد منها أعداء الأمة، وجرت الويلات على مختلف القضايا العربية وعلى كل من شاركوا في صناعة الفتن.
الآن الوضع اختلف وذلك بسبب بحث مختلف الأطراف عن خطط ووسائل وأساليب لترميم بعض العلاقات التي يمكن أن تخدم المصالح. هناك الآن إعادة تموضع للعلاقات على مستوى المنطقة العربية الإسلامية. وإعادة التموضع تتركز حول السعودية كدولة باتت منفرة بسبب مغامراتها الطائشة وتخريبها لعدد من البلدان العربية، وحول سوريا وإيران اللتين باتتا تشكلان نقاط جذب بسبب تحقيق إنجازات عسكرية في سوريا. بدأ الأتراك بتخفيف لهجتهم ضد النظام السوري، وبعض دول الخليج أخذت بترطيب خطابها السياسي تجاه سوريا ,منها من أعاد العلاقات الديبلوماسية، وبعضها يرى ضرورة تعاون دول الخليج مع إيران، وأن الخصام يلحق الضرر بالجميع. وحماس أخذت بتحسين علاقاتها مع إيران وحزب الله، ولن يكون لديها مانع إذا تكللت جهود إيران وحزب الله في سوريا لاستعادة العلاقات السورية الحمساوية.
المنطق السياسي يتطلب دائما مرونة الحركة دون التوريط الذاتي للتأقلم مع أوضاع جديدة تخدم المصالح دون المساس بالمبادئ. وهذا ما يجب أن ينتبه إليه الفلسطينيون الذين غامروا حقيقة بعلاقات مهمة دون أن يحسبوا جيدا كيفية تطور الأمور مستقبلا. فمثلا ورطنا أنفسنا في حرب الكويت، وورطنا أنفسنا في الحرب الأهلية اللبنانية، وبعدها بالحرب الأهلية السورية وألحقنا أضرارا كبيرة باللاجئين الفلسطينيين ومخيماتهم. لم تعد المعادلات التي تبلورت مع الأزمة السورية قائمة بشكل صارخ، وتطورات الأوضاع بخاصة على المستوى العسكري تتطلب تطويرا يتناسب مع ظروف جديدة.
حماس ليست غافلة عن مجريات الأمور، ولا عن مصالحها كحركة مقاومة، وهي تملك من المرونة السياسية ما يدفعها إلى إعادة صياغة ما كانت تظن أنه الموقف الصحيح. ولهذا تتطلع حماس إلى تحسين العلاقات مع النظام السوري حتى قبل صياغة دستور جديد وإجراء انتخابات رئاسية سورية. والمسألة الآن لدى الجانب السوري الذي ما زال يحتفظ بموقف غير متصالح مع حماس. فهل يمكن أن يلقي النظام السوري موقف حماس منه خلال الأزمة جانبا ويبدأ صفحة جديدة من أجل تعزيز محور المقاومة الذي لم يتبلور نهائيا حتى الآن؟ سوريا بحاجة للمقاومة الفلسطينية عموما من أجل أمن المنطقة ومواجهة العدوان الصهيوني وتحرير الأوطان، وحماس بحاجة لسوريا لما يمكن أن تقدمه للمقاومة في مختلف مستلزمات المواجهة مع الصهاينة؟
هذه مسألة مرتبطة بأدوار إيران وحزب الله، وبنا نحن على الساحة الفلسطينية في إقناع سوريا بما هو أفضل للعرب والمسلمين. حماس لم تحسم نفسها تماما على محور المقاومة، وهذا شيء جيد بخاصة أن على الفلسطينيين ألا يعتمدوا دبلوماسيا سياسة المحاور لكي يبقى الباب مفتوحا على كل الدول العربية والإسلامية دون التفريط بمبدأ المقاومة أو المساومة عليه. ومثلما تبذل إيران وحزب الله جهدا نحو المصالحة مع كل قوى المقاومة، مطلوب من الفلسطينيين الذين أبقوا أنفسهم خارج الفتنة السورية وابتغوا الإصلاح أن يقوموا بالجهود اللازمة للم شمل كل المقاومين للعدوان الصهيوني. ففي جمع الشمل قوة، وفي الافتراق ضعف وخيبة للجميع.


التعليقات : 0