عبد الله الشاعر
بالكاد استطعنا جرجرة أجسادنا المنهكة من العام المنصرم، فماذا سيحمل لنا هذا العام الذي يُشرع أبوابه على أرواحنا ؟
حسناً، سنحاول التحلّي بالمزيد من الصبر والتفاؤل، وسنتخيّل بكلّ ما أوتينا من شغف أنّ هذا العام هو عامٌ فيه يُغاثُ الجوعى، وفيه يعصرون، وستتوقّف الحكومة عن سنّ القوانين التي تستهدف جيوب الفقراء وأقواتهم، وستُغلق أعينها الفارغة التي تطارد لقمة عيشهم، وبطاقة التأمين على عذاباتهم.
بكلّ ما تبقّى لديّ من أملٍ سأتخيّل العام القادم عامَ الرأفة بالعالقين بين الحياة والموت، والعالقين بين المعابر، والعالقين على بين سياسات الثأر، والعالقين في العراء بين دولتين لم تبلغا سنّ الرشد السياسي والاقتصادي ، والعالقين بين حُلَمَيْن من حرّيّةٍ وكرامة، والعالقين بين الابتزاز والمطاردة، والعالقين بين الجوع وكسْرة الكرامة.
ها نحن نهرب من عامنا المنصرم كجريحٍ نهشته مخالب الحياة، وظلّ ينزف وعينُه على عامه القادم؛ لعلّ الله يُحدثُ بعدَ عامِهِ الفائت أمراً...فلا مجال أمامه سوى الأمل، ولا مُتّسع في قلبه لغير التفاؤل؛ فلقد أتى العام المنصرم على أخضر أحلامه ويابسها، وألقاه في خضمّ التجاذبات معطوباً منكسراً مُشتّتاً!
لَمْلَمْنا شتات أحلامنا، واستجمعنا كلّ أوجاع غزّة في قبضاتنا، وأعلنا النفير على الحدود، وقذفنا الغاصبين بكلّ ما أوتينا من وجعٍ وإرادة، وبكلّ ما تكاثر في أجسادنا من جراحات، وبكلّ ما أوتينا من رغبة في الحياة الموت، والموت الحياة، حيث تساوت في يوميّاتنا كلّ الخيارات، واستعدت نفوسنا لكلّ شيء...تحدّيناه بحناجرنا وحجارتنا، وصبرنا على القتل اليوميّ، ولم نأبه لدولارات العمادي التي دسّ فيها رغباته بالانسحاب، والعودة إلى بيوتنا منكسرين.
وقفنا طوابير على عشرات الحواجز التي تقف كشوكة في حلق الطرقات في الضفة، وودّعنا عشرات الشهداء بالدموع والعهود، واختنقت رام الله بالغاز المسيل للدموع، والمستفزّ للمقاطعة، دون أن يدفع الحاكمين إلى البحث الجادّ عن الوحدة في مواجهة الغزاة والمحتلّين.
عامٌ جديد بتوقيت الشمس، والمطر يغمر خيام اللاجئين للرُكَب... عامٌ جديد للصمود الأبيّ، وآخر للسقوط في مستنقع التطبيع ... عام جديد من الولاء للبلاد والفداء للقضية، والتخوين يصبح علكة في فم الزمان...عامٌ خلعت فيه السعودية عن نفسها بعض قيودها، وارتدت عار الدمار في اليمن إلى يوم الدين.
عامٌ جديدٌ يُطلّ برأسه من جوف قوقعته، يتفحّصنا، فهل ما زلنا فرساناً نقدر على ترويض الأيام، ونلجمها بلجام العزّ والمجد؟ أم إنّنا صرنا ممرّاً يعبرنا التاريخ كمحطّاتٍ صغيرة، لا يذكرها في خضمّ الرحلة الكبيرة أحد؟
عامٌ جديدٌ والقدس تقيم في أزمتها صلاة الانتظار، وتغني للأمل.
عامٌ تكلّل بالوقوف على الجراح، بالخروج من العباءة، بالمناشير التي قصّت عروق الحرف في عمق السفارة.
عامٌ جديدٌ يأتي فريدا، لا ليس مختلفاً لكنّه زاد انزلاق ثباتنا نحو الحضيض، تعلّقت فيه الأكفُّ الضارعات إلى السماء بكلاليب التحدّي، ورفعت أكفَّ العَوْن تبغي سُلّماً، للدرب يحملها، إلى حيث الكرامة تنجلي، في ثورة الدم المتناثر في زوايا البيوت التي تؤوي الأبطال بانتظار عرس الدم، في قمر الشهادة .
عامٌ جديدٌ، والكون يفتح صدره للنور، ونحن نلبس عتمتنا، فمتى ستمسك كفّنا كفَّ الرحى، ومتى سنسحق بؤسنا؟ ،ومتى نغادر عارنا بين حجريها ونوقف العويل؟!


التعليقات : 0