ماذا إن احتل الصهيوني العرب؟... بكر أبو بكر

ماذا إن احتل الصهيوني العرب؟... بكر أبو بكر
أقلام وآراء

بكر أبو بكر

لا يمكن أن يكون المبرر أن الفلسطينيين يتعاملون مع الإسرائيليين كحجة لعملية التطبيع المجاني المتسارعة عربيا مع الإسرائيلي. الفلسطينيون يتعاملون بأشكال مختلفة مع الاحتلال-وان بصدور شامخة وعقل وفعل مقاومة يومي- أشكال فرضتها وقائع الأرض من جهة أي نتيجة القوة العسكرية الغاشمة، وفي شق آخر بالاتفاقيات الموقعة وغير الموقعة سواء تلك الاتفاقيات السارية في غزة أو في الضفة. هذه الاتفاقيات على جدليتها هي ليست ذات مقارنة مطلقا مع من يمتلك إرادته الحرة كدولة أو شخص أو جماعة، وعليه فان القياس على طريقة تعامل الفلسطينيين مع الإسرائيليين ليست ذات صلة مع وضع أمة العرب.

 

قد تصح المقارنة إن اعتبر بعض القادة العرب أنفسهم تحت الاحتلال الصهيوني، وهم بذلك ملزمين بالتنسيق والتعاون لإدخال الخضار والفاكهة والحليب، وملزمين بتصدير منتجاتهم أو تلقي الماء والكهرباء وموجات الهواء من الهاتف والإذاعة والتلفزة...الخ، من الإسرائيلي أو بأمره ومعدات البناء والمصانع وتنقل الناس! بمعنى آخر أن كل دولة عربية أو غير عربية أو شخص أو جماعة تعتبر ذاتها تحت الهيمنة والاحتلال والسطوة الإسرائيلية فهي ملزمة بالأمر الواقع التعامل مع الاحتلال،في درجات إلى درجة الانسحاق الكلي والاستسلام.

 

رغم أن فهم التعامل مع الاحتلال القائم في فلسطين، من كل الفلسطينيين مهما اختلفوا سياسيا، لا يعني الارتماء والانسحاق تحت أقدام الإسرائيلي، بل يعني -تعامل نختلف في حدوده وشكله ومواضيعه...الخ- تعامل في ظل الرفض للاحتلال بالمقاومة المتصلة، وبسعي دائم للانفكاك من هيمنته الاستعمارية والفكرية والتاريخية والقانونية، وليس ما يحصل من ارتماء لا يقارن، ارتماء عربي مجاني بلا حدود، أي لدرجة القرف.

 

لقد اتخذت الجامعة العربية قرارها الشهير باعتماد المبادرة العربية (منذ العام 2002) التي ترفض أي علاقة مع الاحتلال والاستعمار الإسرائيلي (باستثناء دول الطوق) إلا بعد انجاز تحقيق الاستقلال الوطني لدولة فلسطين القائمة بالحق الطبيعي والتاريخي والقانوني، وهو ما كرره الرئيس أبو مازن حتى بُحّ صوته بالقول بضرورة تطبيق المبادرة العربية من الألف إلى الياء، وليس العكس بمعنى ان الفلسطينيين يستقوون بالظهير العربي الذي يبدو أنه يتشقق وينكسر بسرعة مذهلة.

 

كثير من الأخبار التي تردنا سواء من الدول الغنية أو الدول الفقيرة في أمتنا العربية تشي بغزل أمني واقتصادي وسياسي، بل وثقافي ورياضي واجتماعي وفكري مع الاحتلال الصهيوني، بل ورموزه التي نطالب بمحاكمتها دوليا؟! الانجرار وراء الوهم الإسرائيلي والتطبيع المجاني هو ما يجعلك تصاب بالتقيوء من أفعال دول تعتبر نفسها مستقلة، ويا ليتها ما كانت مستقلة لالتمسنا لها العذر؟

 

التساقط العربي الرسمي الطوعي (أم هو جبري؟) في حضن الهيمنة والسيطرة الإسرائيلية التي يظن فيها المتساقطون أنهم يسايرون (موضة) الانصياع للرئيس الأمريكي المثير للجدل، والذي واجهناه فلسطينيا بصفعة] لا[ ضخمة ناءت ظهور العرب من حملها، سيكتشفون أن الإسرائيلي سيجردهم من كل أموالهم وملابسهم، فيحتل عقولهم وذائقتهم وعيونهم وأرضهم آجلا أم عاجلا. ولا تعجبوا أبدا فها هي دولة الاحتلال قد حصرت مخاسرها من تهجيرها ليهود العرب إلى فلسطين وستطالب بهذه المبالغ من الأمة، والحبل على الجرار. قادة العرب-نحمد الله حتى الآن أن ليس كلهم- وهم بسكرتهم هذه، حين النظر بعيون حب عجيب للإسرائيلي لا يصحون أبدا!

 

فمن افترض المصالح الآنية لدولته والخوف على عرشه الأصل والأولوية فهو لا يهمه إلا أن يأخذ القرار بقصر نظر ضاربا بعرض الحائط قرارات القمم العربية ومصالح الأمة التي قلبها فلسطين، أو هكذا نحسن الظن دوما بأمتنا العربية وشعوبها الأبية كما نحسنه مع أحرار العالم.

 

يلتمس البعض العذر لبعض الدول العربية أن تنساق سوقا كالقطعان الذاهبة للذبح للتطبيع المجاني في المسلخ الإسرائيلي بتطبيق قاعدة من الياء إلى الألف أي بشكل مقلوب للمبادرة العربية!

 

ان نظرنا بعجب واستغراب ورفض للمنطق الرسمي أعلاه للتطبيع العربي المجاني، فمما لا يعذر مطلقا ولا تحت أي مبرر هو أن يقبل إنسان عربي أو مسلم أو مسيحي بحرّ فكره أن يعتقل عقله ويقيده للاستعمارية والعنصرية والاحتلال الصهيوني، وهو يضحك كالأبله تماما! ما لا نفهمه أبدا أن يؤجر المثقف العربي عقله للإسرائيلي، ويتغنى بالاحتلال فيكتب فيه قصائد المديح؟ فيتبنى روايته وتضليلاته وأكاذيبه التي وعاها الأوربيون، وبدأ بعض المسلمين والعرب بدلا من تعميق وعيهم، بدأ البعض القليل-نتمنى ان يبقى كذلك- يتبناها، وكأنه يقود سفينة فضائية نحو المستقبل! وهو بالحقيقة يتم ركوبه هو من قبل أباليس الأرض.

 

ان خطوات الانسياق لمسلخ الاحتلال الطوعي أو لمسلخ الذبح الصهيوني بالتطبيع المجاني يعني أن هؤلاء الأبعاض من القادة العرب أو بعض المثقفين (!!) يحفرون قبور بلادهم بأيديهم التي ستكون بنفس سياق الاحتلال القائم في فلسطين إلا أن كان لاحتلال الأرض والثروات والعقل نكهة ونشوة هي بنفس نكهة استئجار العقول لقيم الاستهلاك الغربي بدلا من الإنتاج والصناعة والمبادرة والإبداع.

 

التعليقات : 0

إضافة تعليق