ع الوجع

خارطة الدم.. بقلم: معروف الطيب

خارطة الدم..     بقلم: معروف الطيب
أقلام وآراء

معروف الطيب

هي طبائع النار، أن تحرق، ولكنها حين تصطدم بحاجز لا منفذ من خلاله فإنها ترتدُّ وتحرق الأيدي التي تشعلها.. فمنذ أن اشتعلت أزمة (الربيع العربي) أو فوضى كونداليزا، التي تخبِّئ في ثناياها مشروع «رالف بيترز» الموصوم بــ «خارطة الدم» أو الشرق الأوسط الجديد. العرب المنقسمون أصلا، جاهزون للذبح، بلادهم المهشمة ينتظرها المزيد من التقسيم، ولكن على خلاف «سايكس بيكو « و»سان ريمو» .. فالتقسيم للمقسَّم، والتجزيء للمجزَّأ هو مصير الشرق، ولكنَّه معبَّأ ليكون على أسس إثنية عرقية طائفية مذهبية.. وطالما أن العربي لا يفكر إلا بصورة دائرية، فهو لا يطيق أن يتعايش مع غيره، ولا يقبل المختلف معه مطلقاً، فوجود (آخر) مختلف معه في ذات الموقع يكون ـ حسب هواجسه على حساب وجوده هو.. إذن سيكون الكلام للسيف، والحكم فقط للدم وإن كان النزيف بلا معنى أو جدوى وبلا نهاية حتى فناء الجميع. سال الدم العربي، واستحضرت (ماكنة) الموت للشرق.. وكان العربي هو ذاته سكيناً وذبَّاحاً، وتدحرجت كرة الموت، ولم يعد أحد في العرب يمتلك القدرة على وقفها، ولا يشذَّ أحدٌ عن خط رالف وكونداليزا قيد أنملة. الغرباء القادمون إلى الشرق كانوا بلا شك(قرأونا) باستفاضة قبل القدوم وأجروا علينا التجارب والبروفات، واستطلاعات الرأي، واستمزجوا عقولنا المتحزبة، وكانت (البروفة) الغزاوية في التناحر كافية للتعميم على سائر الشرق، كيف لا وشعب محتلة أرضه يضع أمر الاحتلال جانباً، ويشرع في (تطهير) نفسه على أساس حزبي مصالحي استحواذي.. كانت النتيجة أكثر من (سحرية) وعادت داحس والغبراء، وانقسمنا لجماعات الغريب أن كل واحدة تنادي باسم الله، وكلها تعلن حرصها على رفع شعار التوحيد، وكلها تمارس الذبح، وعاد الشرق لعهود الصحراء، ونهضَ من تحت ركام عار البشريَّة عهدُ استرقاق البشر، وتأخرنا عن ركب الحضارة ربما لقرون طويلة.. أصبح الموت ماركة مسجلة يوزع في كل مكان.. في المساجد والكنائس، في المعاهد والمتاحف، في الشوارع والمقاهي والمخابز.. وحتى الهاربون من الموت كان الموت الأجنبي يلاحقهم بقسوة، ويحتضنهم وكأنَّ بينه وبينهم علاقة عشق وانتماء. زال دفء المودة ما بيننا، وضربت الأسس الأخلاقيَّة، وأهدرت القيم، وعجزنا عن الحفاظ حتى على أبسط علائم المروءة، فشطبنا أخلاقيات الحرب ونحن نتحارب،وتجرأنا على الأسير والجريح والطفل والعجوز والمرأة، وظهرنا لأول مرة في تاريخنا همجاً بدائيين، اشتعلت النار وكان اشعالها احترافياً.. واختلفنا حتى في تفسير ما يجرى رغم وضوح معالمه، وكأن (كبرة الحيل) ترفض أن نعترف أننا كنا أداة في يد غيرنا لذبحا..

 

 إلى أن جاء اعتراف وزير الخارجيَّة القطري الأسبوع الماضي.. وطبعاً الوزير القطري يظن بهذا الاعتراف، الذي اضطرته الظروف إليه، كخيار (شمشون) سيفيد قطر التي سقطت على ركبتيها، وكثرت سكاكينها كالبعير المكتنز شحماً.. يعلن الوزير معترفاً أنَّه» نعم، قطر كانت تدعم الارهاب في سورية والعراق، ولكنا لم نكن وحدنا فقد ضمًّت غرفة العمليات في الأردن بالإضافة لقطر كلا من السعوديَّة والامارات وتركيا وإسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية».. إنَّ اعترافاُ بهذا الحجم، وبهذه الصيغة يجعل كثيرين من المخدوعين بالربيع العربي في قفص إتهام(استغباء الذات)..فلم يكن ثمة ثورات ولا بطيخ، وإسقاط الأنظمة يأتي ضمن مشروع حماية إسرائيل، واستبدالها بأعداء آخرين على سبيل كي الوعي العربي، وإذكاء غبائه الذي جعل منه (فأراً للتجارب) المتواصلة. العبرة في تصريح وزير خارجية قطر هو أنَّ الكثيرين ممن كانوا (يفتون) في السياسة كان لزاماً عليهم أن (يخرسوا) منذ زمن طويل، وأنَّ المتحدثين عن أمجاد الأسر الحاكمة في بلاد العرب ما هم إلا مرتزقة وشهود زور، يتصيدون الفتات على موائد الملوك بعد أن حذفوا إسرائيل من أجندتهم، وسيطرت الهزيمة على خلاياهم.

التعليقات : 0

إضافة تعليق