عبد الله الشاعر
هيا نشدُّ الرحال؛عسانا نشهد مع الصلاة تواصلاً مع التاريخ، وعبوراً للزمن والجغرافيا ، وفهماً للسياسة التي تجعل من القدس مركز الكون ومنتهى أسراره .
في ليلةٍ هي خيرٌ من ألف شهر، وفي أرضٍ باركها الله، ليلة سلام، وأرض سلام، وقدس الأقداس لم تسلم! عشرات آلاف الفلسطينيين يشدون الرحال إلى المسجد الأقصى في هذه الليلة المباركة، ليكونوا في باحاته كالفراش المبثوث، يمرّون من فوق الأرض زحفاً، ومن تحتها تهريباً، ويتسلّقون إليها الجُدُر، ليؤكّدوا في ليلة مباركة هُويّة المدينة، ثم ينسحبون مُحمّلين بسحرها، وشوقها، ليبقَوا على ظمأ من رمضان إلى رمضان، فهل سيكون لنا أقصى نشدّ إليه الرحال في رمضان القادم؟
تتساقط العواصم حول القدس، في مشهد مروّعٍ، تفقد فيه الأمة قرارها، وتُفكّك جيوشها في معارك داخلية، ويدكُّ بعض الأمة حصون بعض، ويفتعل السياسيون الأزمات الساذجة، يتصارعون على فتات النفوذ فيما الجوهرة الثمينة يقلبها الاحتلال بين يديه، ويحفها، ويقصها، ويحفرها، وينثر عليها سخام سياساته القذرة، وهل أقذر من أن يمنّ الاحتلال علينا بحقّنا في العبادة في مساجدنا؟! وهل أقذر من أن يسمي الاحتلال قراره بعدم الاعتداء على المصلين فوق سنّ الخمسين من الرجال "تسهيلات" وهل هذه التسهيلات إلا إبر تخدير للوعي الفلسطيني ، فيما يواصل الجلاد الصهيونيّ حربه التدميرية على المدينة وأهلها؟! وهل يجب على المسلم أن ينتظر خمسين عاماً ليصلي في قبلة المسلمين الأولى؟! وهل أبشع من وجه الاحتلال الذي يصبغ وجهه بألوان التسامح المزيّف، فيما مستوطنوه لم يكفّوا عن اقتحام المسجد طوال أيام الشهر الفضيل، في تطاولٍ غير مسبوق على هيبة المسلمين، المتواجدين بعشرات الآلاف في المسجد، عُزلاً للصلاة، وبنادق جيشهم موجهة إلى ظهورهم من البوابات المفتوحة؟!
يشد الفلسطينيون الرحال إلى القدس التي عمدها الشهداء بدمائهم منذ عُمْر النكبة مرّةً تلو مرّة، دون أن يتمكنوا مرّة من شد وثاقها، وما زالوا على بلاطها يقدّمون الدم، وفي حاراتها يسكبون الروح تلو الروح، في معادلة الدم والسيف، والروح والجبروت الظالم.
نزور قدسنا كما يُزار الأسير من رمضان إلى رمضان، فيما ينكّل بها الاحتلال على مدار الوقت، وينتهك حرمتها، وتاريخها، ويشوّه وجهها، ويطفئُ في جسدها أعقاب حقده، ويقتلع أظافرها بإبعاد المرابطين، ويقصّ معدتها بجدارٍ يفصلها عن محيطها، ويتركها ضحيةً لحصار اقتصاديّ خانق، وها هو ذا يصادق أخيرا على قرار شبحها من ذراعيها، بإقرار مشروع القطار الهوائيّ الذي يمرُّ فوق باحات الأقصى، ويعرّض جسدها الطاهر للمارين ضمن مشروع القدس الجديدة، الذي يهدف إلى استقطاب مليون سائح للقدس عام 2020، ويغذّيها قسرا وهي المضربة احتجاجا عن الطعام، بمدّ جسوره في عروقها، ويعرّيها رويداً رويداً ضمن سياسة هدم المنازل! فمن أين تأتي هذه القدس العظيمة بكلّ هذا الشموخ الذي تلقيه علينا لحظة أن تقع عليها عين القلب؟ ومن أين تنفق علينا كل هذا الصمود الذي يتسلل إلينا في حاراتها رغم جدرانها المشققة؟ ورغم اهتزاز البلاط تحت أقدامنا؟ وكيف لهذه المدينة المباركة أن تمنحنا كل السعادة التي تعترينا في كنفها وفي قلبها كل هذا الحزن؟!
سنصلي في القدس، لأن الصلاة فيها عبادة، ولأن الوصول إليها حقّ، ولأننا مهما يدور الزمان، وإن سقطت في القدس أنقاضها، ستبقى المدينة أرض الله التي وهبها للمؤمنين، وسيزول المؤقت مهما بقي، ويبقى الدائم مهما توارى .


التعليقات : 0