سترات العلم الفلسطيني... عصام حلمي حماد

سترات العلم الفلسطيني... عصام حلمي حماد
أقلام وآراء

عصام حلمي حماد

في ظل النظم الديمقراطية الحقيقية، التي تلجأ دائماً لصندوق الانتخاب لإختيار ممثلي الشعب، لا تجد من يقفز على النتائج، أو يعطل الانتخابات، أو يستعمل وسائل خسيسة وقذرة للتأثير على النتائج، كتوزيع رصيد الهاتف، أو توزيع البطانيات، أو كل مظاهر الرشوة السياسية التي نشاهدها في عالمنا المتخلف.

 

إن اختيار الشعب الفلسطيني للديمقراطية نهجاً لتداول السلطات لهو أمر قد تم إقراره قانوناً، فتراه موجوداً في اللائحة الداخلية لمنظمة التحرير الفلسطينية، حيث نصت المادة الخامسة منه على أن المجلس الوطني يتم انتخابه من الشعب مباشرة، ونصت المادة الثانية من القانون الأساسي الفلسطيني بأن الشعب مصدر السلطات، والمادة الخامسة منه على أن نظام الحكم في فلسطين نظام ديمقراطي نيابي يعتمد على التعددية السياسية والحزبية، وهذا يثبت بالقرينة أن للشعب الحق أن يقول الكلمة الفصل في إرادته، وأن كل المتنفذين السياسيين ماهم إلا أدوات إختارهم الشعب لتنفيذ إرادته لفترة محدودة من الزمن، ولهذا فإن المتفق عليه في كل أرجاء الدنيا أن تجديد الشرعيات بالإنتخاب واجب النفاذ، وإلا فإن من يتجاوز المواعيد الانتخابية باختياره البقاء في السلطة، إما باستخدام السطوة الأمنية، أو بلي عنق القانون، أو باستهبال الشعب والبقاء جاثماً على صدره، فإنما يعبث بتاريخه وجغرافيته وحاضره ومستقبله.

 

إن مطالبة الشعب بإنفاذ الديمقراطية يجب أن يكون مفخرة لهذا الشعب وليس مؤامرة، بل يجب أن يصيب من يرى عكس ذلك بالخزي والعار، فشعبنا الفلسطيني ليس طفلاً يحتاج إلى وصاية عليه، أو الحجر على رغباته وتطلعاته.

 

لقد شهد البيت الجامع للشعب الفلسطيني منذ تأسيسه في عام 1964 قصوراً في إنفاذ الديمقراطية، في زمن كان من الصعب لهذا الشعب المشتت في أصقاع الأرض أن يدلي بصوته ويعلي إرادته، ولكن حالة التراخي هذه انسحبت على سلوك القيادة الفلسطينية في كافة مؤسساتها، فأصبحت مع الزمن ترى نفسها الأصل، وان لها الحق بالتحدث باسم الشعب لعقود طويلة، ولكن الأسوأ من هذا السلوك هو ما أصاب الشعب من حالة احباط وتراخٍ  في المطالبة بحقه في الاحتكام لصندوق الانتخاب.

 

مثل الانقسام الفلسطيني أوضح مشهد يمكن أن نقرأ من خلاله مظاهر التفرد في القرار، والتمترس عند الرأي والرؤية، بل والأسوأ من ذلك، فقد مثل الإنقسام الفلسطيني المثل الأسوأ في استخدام السلطة لقمع الحريات وتكميم الأفواه، تماماً بعكس كل القوانين والعقود الإجتماعية التي تربط أبناء الشعب الواحد.

 

لم يتعرض شعب على وجه البسيطة لمؤامرة لشطب تاريخه وحاضره وإلغاء مستقبله كما تعرض الشعب الفلسطيني، ولم تجتمع أحزاب في أي دولة في الأرض على هدف واحد كما اجتمعت الفصائل الفلسطينية على هدف الانعتاق من الاحتلال، ولكن ممارستهم جميعاً أثبتت أنهم لا بد أن ينعتقوا من عبودية الحزب والفصيل قبل أن يرفعوا لواء المقاومة والتحرير.

 

في ظل ما تعاني منه منظمة التحرير الفلسطينية التي باتت هي الغائب الحاضر في وجدان الشعب، رغم انها الثابت المجمع عليه فلسطينياً، والبيت الذي لابد من المحافظة عليه وحمايته، تظل هذه المنظمة أسيرة رغبة الطبقة التي تطوف حول هيكلها العظمي، مستأثرة بالقرار ورافضة لفهم معنى المادة الرابعة من لائحتها الداخلية، التي تقر لكل فلسطيني بعضويته في منظمة التحرير الفلسطينية، ورافضة للشراكة بمفهومها الديمقراطي، ومستبعدة لكل مكونات الشعب الفلسطيني الذي لا يقر لهذه الطبقة بالسلطة والسيادة.

 

في ظل عالم متغير تسوده المعرفة وتكنولوجيا المعلومات وشعب فتي يمثل الشباب أكثر من نصف تعداده، لم تعد هذه الحيل تنطلي على مثقفين ومبدعين تجاوزت مفاهيم الواحد منهم وثقافاته كل معارف الطبقة التي أصابها العجز والكهولة، وبات لابد من الاستسلام لحقيقة نكاد نراها واقعة لا محالة وهي أن ثورة الشباب قد باتت قاب قوسين أو أدنى.

 

لربما يكون هذا الوقت هو الأنسب لكي ندق ناقوس الخطر، عل أولئك الذين أصابهم الجمود ويعتقدون ان الأمر الواقع ممكن أن يستمر لفترة أطول، باعتقادي ان ما اصاب القضية الفلسطينية من أزمات في سنواتها الأخيرة لم يكن الا نتاج نهج خاطيء لا بد من تغييره، بداية الحل لابد من أن تنبع من وثيقة عهد ووفاء يوقعها كل أفراد الشعب الفلسطيني ويقسم من خلالها كل من يوقع عليها على احترام الديمقراطية وأن التواريخ الانتخابية مقدسة وأن نتائج الانتخابات محصنة ولا يمكن العبث بها أو الانقلاب عليها لانها تعبر عن ارادة الشعب وأن التعددية والشراكة السياسية والحقوق والحريات خط أحمر لا يمكن ان يتم تجاوزه.

 

أما ما يلي ذلك مباشرة فلا يمكن أن يكون انتخابات تشريعية ورئاسية رغم أهميتهما لسببين:

 

أولاً لأن هذين الاستحقاقين الانتخابيين هما لجهاز اداري تابع لمنظمة التحرير تم تأسيسه تحت سقف أوسلو ولذلك فلا يمكن للقوى العظمى أن تقبل وجود كل مكونات الشعب الفلسطيني فيه.

 

ثانيا إن هناك أمر هام لابد من اتخاذ قرار مصيري فيه قبل أن تحدث الانتخابات، وهذا الأمر هو نوع الانتخابات، فهل هي لمجلس تشريعي ورئاسة سلطة أم أنها لمجلس تأسيسي أم برلمان ورئاسة دولة.

 

ولكي يتم إتخاذ قرار مصيري بحق الشعب الفلسطيني، فلا بد من الانتباه ألا نكرر خطيئة أوسلو بتمرير إرادة البعض وكأنها إرادة الشعب.

 

إن المدخل الحقيقي والصواب لتصويب الحالة الفلسطينية هي توفير آليات انتخابية عصرية وحديثة وانتخاب مجلس وطني ممثل لكل الشعب الفلسطيني يشارك فيه كل من تنطبق عليه المادة الرابعة من لائحتها الداخلية ليجتمع هذا المجلس الممثل لإرادة الشعب ويتخذ القرارات المصيرية التي يتم التوافق عليها وقطع الطريق أمام التفرد والتسلط ويعبد طريق الديمقراطية التي يحلم بها كل فلسطيني حر عابراً لانتخابات تجدد الشرعية لكل المؤسسات الفلسطينية وفق الرؤية التي يتم التوافق عليها تحت سقف منظمة التحرير الفلسطينية.

 

ولكن إذا استمر النهج الحالي وتم تجاهل كل ما نكتب أو نشير إليه، واستمرت حالة التفرد في اتخاذ القرار فنحن أمام #_سترات_العلم_الفلسطيني لا محالة وهو ما سنتعرض له في الجزء الثاني من هذا المقال.

 

التعليقات : 0

إضافة تعليق