مـن الـجـذور يـكـون الـتـغـيـيـر!... رفيق احمد علي

مـن الـجـذور يـكـون الـتـغـيـيـر!... رفيق احمد علي
أقلام وآراء

رفيق احمد علي

خلق الله تعالى الكون والحياة، وجعل لذلك سنناً لا تتبدّل ونواميس لا تتحوّل. فالكون بذلك قائمٌ بمشيئته، والأمور تجري بقدره وتقديره وإرادته، طوعاً أو كَرها لكلّ المخلوقات.. وإن أعًطى الله تعالى الثقلين الجنّ والإنس خصوصية التكليف والحساب على العمل الذي أُعطيا به نصيباً من حريّة الاختيار والإرادة.. بينما أعطى الله الإنسان دون الجانّ خصوصية الخلافة في الأرض، فكان هو سيّدها المعمّر المتصرف فيها  تحت مشيئة الله تعالى وعينه وهديه.. ولا جدال أنّ الإنسان - باجتهاده وتبصرة عقله وصنع يده، من قدراتٍ وهبها الله له- يبحث ويستكشف ويصيب ويخطئ.. لكن بجهاده في الله حقّ جهاده وعلى هدىً مما أوحى إلى رسله، فإنه يهتدي السبيل فلا يضلّ ويصيب فلا يزلّ؛ إذ يقول سبحانه وتعالى: «والذين جاهدوا فينا لنهدينّهم سبلَنا وإنّ الله لمع المحسنين»(العنكبوت:69) ويقول: «والذين اهتدوا زادهم هدىً وآتاهم تقواهم»(محمد:17)

 

والسنن الإلهية تقول بأنّ الذنب والخطأ يقوّمان بالتوبة والتصحيح، أما الداء فيعالج بالدواء.. وقد لا يكفي علاج الأعراض والفروع التي تتولد عن تلف العضو المصاب أو ضعفه؛  حتى يُحتاج إلى استئصاله وقلعه من جذوره وأصله؛ وإلا فشا واستعصى الداء على كلّ دواء! ونأخذ الشجرة مثالاً لذلك: حيث إنها تقوم على الجذور التي تغذيها وتمدها بلوازم الحياة والنموّ، ساقاً فأفرعاً فأوراقاً ثم ثماراً.. فلو تلفت منها بعض الفروع أو الأوراق لقام الزارع بقصّها أو رشها بالمبيدات الزراعية.. لكن ما الذي يحدث لو دبّ التلف إلى الجذور؟ لا شكّ أنّ الشجرة جميعها ستتلف، وسيعمد الزارع إلى استئصالها من الجذور؛ خوفاً من أن تتسرب آفتها إلى جذور الأشجار المجاورة! ولا يختلف وضعنا العربي وما يسوسه من أنظمة وحكام وساسة وعلماء سلطان كثيراً عن الشجرة التي أصابها العفن والداء في مقتل من الجذور.. وإنما نذهب لعلاج ما تفرع عن هذا الداء الجذري من أعراض وآفات جانبية، تاركين أصل الداء وجذره يزداد استفحالاً وتمكناً فينا! وأكبر دائنا وأوغره فينا هو تبعية أنظمتنا للأجنبي وموالاته التي حذرنا منها ديننا الحنيف إذ يقول سبحانه في كتابه المجيد: «ومن يشاقق الرسولَ من بعد ما تبيّن له الهدى ويتّبعْ غير سبيل المؤمنين نولِّه ما تولّى..»(النساء. 115) ويقول: «.. ومن يتولّهم منكم فإنه منهم..»(المائدة:51).

 

نعم هذه أنظمتنا العربية.. فبعضها هرول للتطبيع مع العدوّ الغاشم المغتصب، وبعضها استعان بالأجنبي على حرب أخيه العربي، وبعضها استمرأ كرسيّ الملك يحفظه له هذا الأجنبي بما يدفع له من قوت شعبه بل من عزته وكرامته! فضلاً عن أنّ هذه الأنظمة جميعاً لم تتخذ سبيل الله سبيلها ولا حكمه حكمها! فإلام نغمض الأعين عن صور الانحراف ؟ وإلام نقفل الآذان عن نشاز أصوات الضلال؟ إلام لا تقتلع جذور الفساد والانحلال؟ أإلى أن تذبل كل الأوراق وتئول الشجرة إلى الزوال؟ أم أنها قد زالت بالفعل وماتت معها أمة العرب كما أعلن ذلك بعض شعرائها المعدودين في إحدى قصائده.. وإن كنت لا أريد أن أبلغ من اليأس والتشاؤم ما بلغا منه أو من غيره.. فشجرة الأمة العربية التي حملت خاتم الرسالات السماوية الإلهية، وامتدت فروعها شرقاً وغرباً.. شمالاً وجنوباً في الأرض؛ لتثمر الأمة الإسلامية العظيمة، ذات الحضارة التي بلغت في نهضتها الأولى مبلغ الشمس والنجوم.. حتى لتضع المستشرقة الألمانية «زيغريد هونكه» كتابها الموسوم «شمس العرب تسطع على الغرب!» والتي تعترف فيه بفضل الحضارة العربية القديمة على مدنية الغرب الجديدة.. ولا بدّ أن تعود هذه الحضارة شامخةً كما بدأت وكانت.. وذلك على أكتاف جندٍ لله صادقين.. مع وعد الله قادمين.. ومجددين للدين ينهضون به نهضته الثانية التي وعد الله تعالى بها المؤمنين بإتمام نوره ولو كره الكافرون المنكرون، وظهور دينه ومعه حضارة هذا الدين على الدين كله ولو كره المشركون.. ألا فليعمل العاملون ولينظروا معاولَهم من أين تبدأ هدم الجدُر الخرِبة ليقوم البناء العامر.. ولينظر الزرّاع من أين تبدأ مقاريضهم القطع بل تشرع  فؤوسُهم القلع والبتر؛ لتحصد مناجلهم أحسن الثمر!

التعليقات : 0

إضافة تعليق