أحمد عبد الرحمن
في العاشر من أكتوبر عام 1993م تم الإعلان بشكل رسمي عن ولادة كيان سياسي جديد أطلق عليه « السلطة الوطنية الفلسطينية» نتيجة لاتفاق أوسلو الذي تم توقيعه بين منظمة التحرير الفلسطينية والكيان الصهيوني، وقد صُنفت هذه السلطة في حينه أنها هيئة إدارية مؤقتة تدير أمور الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة وتكون نواة للدولة الفلسطينية المستقبلية في حال تم التوصل لاتفاق نهائي مع العدو من خلال المفاوضات.
وقد مرت السلطة منذ النشأة وحتى الآن بمراحل عديدة وتعرضت لاختبارات صعبة على المستويين الداخلي والخارجي، وسجلت خلال تلك الاختبارات فشلاً ذريعاً حسب رأي معظم المتابعين للشأن الفلسطيني ، وامتازت بالفساد والمحسوبية وعدم الكفاءة ، وتراجعت اهتمامات العالم بالقضية الفلسطينية إلى أدنى مستوياتها في ظل إدارتها الضعيفة للملف السياسي. وهناك الكثير من الأسئلة التي طُرحت وما زالت عن مبررات وجود السلطة !! وكثيرة هي علامات الاستفهام التي تحيط بقيامها من الأساس كنتيجة لذلك الاتفاق المشئوم !! وهل بالفعل جاءت لتدافع عن المشروع الوطني الفلسطيني أم كانت كما يراها الكثير مبرراً لوأد الانتفاضة الفلسطينية الأولى عام 1987م !! هل بالفعل صانت الشعب ودافعت عنه وحمته من تغول العدو أم كانت عصا غليظة في وجه كل من يفكر في مجابهة العدو وقتاله !!
وربما يسأل سائل ما هو المبرر الذي تقوم عليه هذه السلطة حاليا !! وما هو الدور الذي تلعبه سواء على الساحة المحلية أو الساحة الإقليمية والدولية !! وما الذي أنجزته خلال أكثر من 25 سنة من وجودها !! وللإجابة عن هذه التساؤلات وغيرها علينا أن ننظر بعين المراقب المحايد لتصرفات السلطة على مدار السنين الماضية وبالتحديد بعد وصول محمود عباس إلى سدة الحكم بعد استشهاد الرئيس أبو عمار رحمه الله عام 2004 م . فمنذ ذلك الحين وادوار السلطة المطلوبة منها سواء على مستوى التنسيق الأمني أو ملاحقة فصائل المقاومة أو الانحياز لمشاريع تصفية القضية الفلسطينية والعجز الكامل عن مواجهة العدو في كافة المجالات ،كل ذلك كان يؤكد نظرية يعتقد بها العديد من المراقبين وهي أن الغرض الأساسي من إنشاء هذه السلطة ومليارات الدولارات التي تُنفق عليها لم يكن في يوم من الأيام لصالح القضية الفلسطينية أو الشعب الفلسطيني !! وكل الأفعال والأقوال الصادرة عن هذه السلطة تُظهر بما لا يدع مجالا للشك أنها تلعب دور الحارس الأمين لهذا الاحتلال وإن حاولت أن تُظهر عكس ذلك.
فالتنسيق الأمني والذي هددت السلطة عشرات المرات بإيقافه مستمر ولم يتوقف لحظة واحدة وساهم بشكل مباشر في تصفية واعتقال عشرات إن لم يكن مئات من قادة وعناصر المقاومة في الضفة الغربية وقطاع غزة قبل خروج السلطة منه عام 2007م ، وهذا التنسيق كان على الدوام سيفا مسلطاً على رقاب الفلسطينيين ولم يكن ولو مرة واحدة في مصلحتهم أو للدفاع عنهم . ومن جانب آخر السلطة لم تنجح في مجابهة التوسع الاستيطاني الذي يخنق مدن الضفة ويجعل منها كانتونات معزولة عن بعضها البعض ، وهذا الفشل امتد لمدينة القدس أيضا إذ يتم صباح مساء اقتحام وتهويد المسجد الأقصى المبارك دون أي موقف يُذكر من السلطة سوى الشجب والاستنكار .
على المستوى السياسي كانت السلطة تهرول نحو المفاوضات مع العدو سواء بشكل علني أو من وراء الكواليس وأيضا من دون تحقيق أي إنجاز ،، فيما الاحتلال يزداد صلفاً وتنكراً لأدني حقوق الشعب الفلسطيني وضرب بعرض الحائط كل الاتفاقيات الموقعة وعلى رأسها اتفاق أوسلو .
داخليا السلطة تعاطت مع ملف المصالحة ببرود شديد وبدون أي اهتمام ، ولم تُظهر أي حرص على إنجاحه ولو بحده الأدنى رغم عديد الوساطات التي بذلت مساعي حثيثة للوصول لإنهاء حالة الانقسام ، بل أن السلطة أفشلت الكثير من الاتفاقات التي تم توقيعها في مكة والقاهرة والشاطئ وغيرها والتي كان آخرها اتفاق القاهرة 2017م ، واستبدلت كل ذلك بمزيد من العقوبات ضد سكان القطاع وأسر الشهداء والأسرى والجرحى حتى وصل الأمر إلى موظفي السلطة أنفسهم .
أما على المستوى الدولي فالسلطة لم تسجل أي نجاح يُذكر باستثناء الاعتراف بها بصفة مراقب في بعض الهيئات الأممية، وظلت تهدد منذ فترة ليست بالقصيرة باللجوء لمحكمة العدل الدولية حيناً ومجلس الأمن حيناً آخر ولكنها كانت تتراجع على الدوام أمام الضغوطات الإسرائيلية والأمريكية.
كل ما تقدم يضعنا أمام سؤال مهم؟ هل من مصلحة الشعب الفلسطيني في الداخل والخارج وقضيته العادلة أن يتم حل هذه السلطة الوهمية والتي أصبحت عبئا ثقيلا على كاهل الشعب ولم تكن في يوم من الأيام سنداً له أو مدافعاً عنه؟ وما هو البديل لها في حال تم حلها كي لا يحدث فراغ يؤدي إلى مزيد من الكوارث والمصائب تُضاف إلى تلك التي يعاني منها شعبنا الفلسطيني .
يرى الكثيرون ونحن منهم ان حل تلك السلطة الهزيلة يمكن ان يكون المخرج الأسلم لشعبنا مما يعانيه من مصائب ونكبات تكاد تعصف بما تبقى له من آمال وطموحات في العيش بسلام فوق أرضه ووطنه ، ونعتقد أن البدائل موجودة وممكنة خصوصا إذا توفرت النوايا الصادقة وقدم الجميع المصلحة العليا للشعب الفلسطيني على مصالح الأحزاب والفصائل والجماعات ، ويمكن أن نذكر هنا بعض الملامح التي يمكن أن تكون عليها مرحلة ما بعد السلطة وتشكل بديلاً مقبولاً لها :
أولا : إعادة بناء وإصلاح منظمة التحرير الفلسطينية حسب اتفاق القاهرة 2011م وانضمام جميع الفصائل الفلسطينية إليها لتكون الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني ، والتي بدورها تشرف على جميع الملفات الداخلية والخارجية التي كانت تديرها السلطة ولكن بطريقة جديدة بعيدا عن الاملاءات الخارجية والانصياع للضغوطات الأمريكية والصهيونية.
ثانيا : الإعلان أن المرحلة الحالية من تاريخ القضية الفلسطينية هي مرحلة تحرر وطني وليس بناء دولة ، والتحلل من كل الاتفاقيات الموقعة مع العدو وعلى رأسها اتفاق أوسلو وإفرازاته السياسية والأمنية .
ثالثا : فتح خطوط اتصال وتعاون مع الدول والقوى التي تدعم القضية الفلسطينية سواء على مستوى الإقليم أو العالم، وإعادة خطوط الاتصال التي قُطعت مع بعضها نتيجة ظروف مختلفة ، والابتعاد عن المحور «الأمريكي الإسرائيلي العربي» الذي بات يتشكل بوضوح نتيجة سياسات بعض الأنظمة العربية، وظهر ذلك جليا في مؤتمر وارسو قبل أيام .
رابعا: إعادة الاعتبار للقضية الفلسطينية في كافة المؤسسات والهيئات الأممية وإن كنا لا نثق بحيادها كثيرا ، وفضح الكيان الصهيوني وجرائمه وتشكيل رأي عام دولي مناصر لقضيتنا وحق شعبنا في الحياة الكريمة في وطنه وأرضه . ما ذكرناه يمكن ان يُضاف إليه الكثير من الخطوات البناءة والعملية التي ستشكل أرضية صالحة للبناء عليها لتكون بديلا عن السلطة وعاملاً مساعداً يساهم في إدارة الأمور بالشكل الأنسب .
يقول البعض أن البريطانيين كانوا يقتلون الخيول عندما تمرض أو تعجز عن الحركة لأنها تصبح عبئا عليهم ولا تقدم أي خدمة تُذكر !! ولهذا يُضرب بهم المثل الشعبي الذي يقول : « ..... زي خيل الانجليز « !! فهل أضحت السلطة تشبه « خيل الانجليز « بعد ان أصبحت عبئا على الشعب وحملا ثقيلا على كاهله!! وهل بات خيار حلها ضروريا لمواجهة المرحلة الصعبة التي تمر بها القضية الفلسطينية !! نرجو أن يحمل المستقبل القريب ما فيه الخير لهذا الشعب المعطاء ، وان يخرج من هذه الأزمات المتعاقبة أكثر قوة وعنفواناً ليواصل مسيرة التحرر الوطني حتى النصر والتحرير .


التعليقات : 0