د. باسم عثمان
عندما قررت فصائل العمل الوطني في قطاع غزة يوم الأرض 30 مارس (آذار) 2018، انطلاقة مظهر كفاحي شعبي جديد هو جزء من حركة المواجهة العامة , «مسيرات العودة وكسر الحصار»، لم يكن سوى فعل لحشد طاقات شعبية، وربط سياسي بين هدف وطني كبير ينسجم مع واقع قطاع غزة السكاني مجسدا في حق العودة.
ولعل ما أعطته مسيرات الغضب والجوع الإنساني، فاق كثيرا توقعات المشاركين، وأكثر توقعات المراقبين، وأحدثت «هلعا سياسيا – أمنيا واقتصاديا» لإسرائيل, حيث جسدت الملحمة الكفاحية يوم 14 مايو 2018، بسقوط عشرات الشهداء ومئات الجرحى، ردا على قرار ترامب بنقل سفارة بلاده إلى القدس ,عنوانا وطنيا و كفاحيا لشعبنا المقاوم في قطاع غزة.
ملحمة شعبية هزت المنطقة و العالم كما هزت حسابات « طرفي الحصار» من خلال فرض معادلة سياسية جديدة للتعامل مع غضب القطاع الشعبي.
ان مجمل نتائج مسيرات العودة ومراجعتها لغاية الآن، هل لها فعلا أن تحقق هدفها المعلن بكسر الحصار؟ خاصة مع مسار الانتخابات الإسرائيلية، والتغييرات التي شهدتها قيادة جيش المحتلين، لأن هناك تساؤلات لا بد من الإجابة عليها عن أدوات استمرارها وهدفها وإستراتيجيتها الكفاحية والوطنية، وليس فعل شعبي مسقوف الزمن يراد تثميره بما يخدم رؤى سياسية معينة لقوى سياسية بذاتها؟
المتابعة السياسية للغضب الشعبي بعد إعلان استشهاد الأطفال 8 فبراير 2019 ليس عفويا ولا طارئا، لكنه جزء من «نقاش عام» بعضه معلن وكثيره غير معلن، والخيارات تتدحرج من رد عسكري صاروخي انتقاما لأرواح الشهداء، خاصة الأطفال منهم، والبعض طالب وقفا فوريا لمسيرات لم تعد «مثمرة»، وبينهما هناك من يبحث عن مراجعة شاملة و جدية بهدف استنهاض هذا الفعل الشعبي المتراكم في ميادين الاشتباك مع قوات الاحتلال الإسرائيلي إلى ان تحقق أهدافها الوطنية في كسر الحصار الإسرائيلي على غزة.
أي محاولة لفرض خيار عسكري راهن بين جيش الاحتلال وقطاع غزة، ليس سوى جريمة سياسية ، فأي حرب أو مواجهة عسكرية سيكون أثرها تدميريا سياسيا و إنسانيا , وليس صحيحا رهان «البعض»، بأن نتنياهو لن يغامر بحرب على أبواب الانتخابات، وهو يعلم أن «صواريخ غزة» قد تضرب تل أبيب ,
وهي الذريعة الأهم لنتنياهو لشن حرب سياسية عسكرية على قطاع غزة أولا، والضفة ثانيا والقدس ثالثا، ومنها سيعلن مشروعه السياسي تحت باب مواجهة الخطر التهديدي لوجود إسرائيل، وسيدفع أهل القطاع ثمنا مضاعفا، لفرض معادلة إهانة سياسية – إنسانية لاحقا.
الحرب ليست خيارا , دون أن تسقط معها كل إمكانات الرد أو المواجهة في نقطة تصعيد محددة، أو عدوان غاشم من قبل طغمة الاحتلال على القطاع في غزة. وكما «الرد الحربي» ليس الخيار ,أيضا «وقف المسيرات» فورا ,هو خيار تدميري سياسي ومعنوي، وكأنه إعلان هزيمة لا أكثر، وهو ما تسعى له «أطراف الحصار» لكسر روح الشعب الفلسطيني ليس في القطاع فحسب، بل في كل أماكن تواجده.
ولقطع الطريق على روح «المغامرة» بشقيها «الحربجي والاستسلامي»، بات واجبا ان تدعو مكونات هيئة العمل الوطني إلى وقفة مراجعة شاملة، مما كان من فعل كفاحي طوال ما يقارب العام، وان يتم وضع رؤية شاملة متفق عليها،في الاستمرار بأدواتها السلمية و بطابعها الشعبي وصولا إلى الانتفاضة الشعبية العارمة .
لقد بدأت مسيرات العودة بهدفٍ معلن , يتمحور حول رسالة واضحة محددة إلى المجتمع الدولي، بان قرارات الأمم المتحدة حول حق العودة للاجئين الفلسطينيين لا زالت حبراً على ورق وأنه المسؤول عن إفلات الاحتلال من العقاب في الوقت الذي ما زال الشعب الفلسطيني مناضلاً ومقاتلاً لنيل حقوقه,لذلك عملية المراجعة باتت أكثر من ضرورية، لضمان استمرار مسيرات العودة في سياق أهدافها التي أعلنت لدى انطلاقها , ولاستعادة استهدافاتها السياسية بعيداً على توظيفها الفئوي ولضمان المسيرة الكفاحية الوطنية الجامعة، وبما ينسجم مع تطلعات شعبنا الفلسطيني وبما يمنع توظيف تداعياتها في سياق الانتخابات الإسرائيلية القادمة.
الإبداع الفلسطيني المقاوِم تجلّى بأبهى صوَره في ابتكار أسلوب المقاومة الشعبية السلمية تحت شعار مسيرات العودة وكَسْر الحصار، التي هدفها الأقصى أن يأخذ اللاجئ الفلسطيني زِمام المبادرة في تطبيق حق العودة المكفول له دولياً، والتأكيد على منطق الثوابت الفلسطينية، التي تُعزّز الوعي المقاوِم لدى الجماهير الفلسطينية، و التي نجحت بالتأكيد في إعادته إلى ساحات الوجدان الفلسطيني، والوعي العربي، والضمير العالمي، بعد أن ظنّ نتنياهو أن الصمت العربي لن يعلو على أصوات احتفالاته مع الجميلة «إيفانكا ترامب» بنقل السفارة الأميركية إلى القدس. ولإفشال الخطة الصهيو - أميركية الالتفافية، يجب العمل على تحقيق أهداف مسيرة العودة وكَسْر الحصار، الأمر الذي يتطلب الحفاظ على ديمومة استمراريتها كفعل شعبي كفاحي، مع الحرص الدائم على تقييم أدائها، ومراكمة إنجازاتها، وعدم التسرّع بقطف ثمارها، وقراءة مُتجدّدة للبيئة السياسية المواكِبة، كل ذلك من خلال وحدة مشاركة فلسطينية في القرار تجسّد الوحدة الوطنية الشاملة مع الالتزام بالخطاب العقلاني الموجّه لحاضنة المسيرات الشعبية. يجمع التحليل السياسي الفلسطيني أو يتفق بشكل عام على ان مسيرات العودة شكلت تحولاً استراتيجياً مهماً , لأن هذه المسيرات شكلت تطوراً جديداً في استمرارية قدرة الفلسطينيين، على تبني أسلوب أو مفهوم كفاحي شعبي لمواصلة الاشتباك مع جيش الاحتلال و ترسانته العسكرية .
ان معالجة الثغرات والأخطاء وصولاً لتطويرها وتوسيعها لتمتد إلى كل ساحات تواجد شعبنا، شكل من إشكال الانتفاضة الشعبية العامة و وصولا إلى العصيان الوطني الشامل, ما تعززه نقاشات وطنية عميقة لتحويل مسيرات العودة إلى انتفاضة شعبية عارمة وشاملة في وجه الاحتلال والمخططات المشبوهة.


التعليقات : 0